الحق سبحانه من عباده أن يعبدوه على التخيل دون الرؤية ، كما مرّ ، وكما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه في قبلة أحدكم » « 1 » ، ومعلوم أن المصلي لا يرى إلا الحائط أو الأرض ، فما بقي إلا التخيل ، ولا يزال المتخيل مراقبا لما تخيله حتى يقوى ، وفي الحقيقة ما أمرنا بالسجود للقبلة « 2 » إلا لكون اللّه فيها ومعها ، فإذن العبد قبلة للحق تعالى في صلاته ، كما أن الحق قبلة للعبد .
واعلم أنا قد افترقنا عن عبّاد الأوثان بأن وضعنا اسم الإله على مسمّاه ، ونسبنا ما ينبغي لما ينبغي بالإذن ، وهم وضعوا اسم الإله على غير المسمّى ، فأخطأوا ، فسمّوا جهلاء أشقياء ، ونحن سمّينا علماء سعداء ، فهم عبّاد الاسم فقط ، ونحن عبّاد الاسم والمسمّى ، فوقع التمييز بيننا وبينهم . وأيضا فإن التخيل مأذون فيه ، ولا كذلك الأوثان المحسوسة ، فعلم أن السجود وإن كان للّه فلا يقع في الحسّ أبدا إلا لغير اللّه ؛ لأنه تعالى بكل شيء محيط ، والجهات كلها نسبتها إلى الحق تعالى ، أو نسبة الحق إليها ، على السواء ، وإنما كان لا يصحّ سجود من خرّ على قفاه وإن كان الحق تعالى خلفه كما هو أمامه لأن اللّه تعالى ما راعى إلا وجهه المقيّد بمقابلة العبد ، كما أنه لم يراع من جهات العبد سوى وجهه .
وقد قررنا غير ما مرة في معنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
( البروج : 20 ) ، أنه ما ثمّ إلا اللّه ونحن ، وهو من ورائنا محيط ، فليس وراء اللّه إلا العدم المحض ، الذي ما فيه حقّ ولا خلق يتعقّل . وفي الحديث : « ليس وراء اللّه مرمى » « 3 » .
هامش
( 1 ) ذكره المصنف في العهود المحمدية ( ص 286 ، 287 ) .
( 2 ) أي إلى القبلة .
( 3 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 901 ) ، والبزار في مسنده ( 3 / 262 ) ، وابن أبي الدنيا في التوكل على اللّه ( 33 ) .