تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وإذا تحققت ذلك علمت عجزك عن رؤيته تعالى ؛ لتقييدك وإطلاقه ، وضيقك وسعته . فإذا عرفت ذلك بقيت مع نظره المحقق إليك لا مع نظرك إليه ؛ لأن نظرك يقيّده ويحدده ، وهو المنزّه عن الحدود . فعلم أنه لولا تخيل العقل الحق تعالى للأصاغر في القبلة ما تعقلوا من يتأدبوا معه . وأما الأكابر فلا يحتاجون إلى هذا التخيّل ؛ ولذلك كان القطب دائما خلف الحجاب لا يرى ربه حتى يموت ، فافهم . ومن هذا الفرق أيضا بين الرؤية والشهود : أن الرؤية لا يتقدّمها علم بالمرئيّ ، بخلاف المشاهدة يتقدّمها علم بالمشهود ، وهو المسمّى بالعقائد ، ولهذا يقع الإقرار والإنكار في الشهود حين التجلي الأخروي ، ولا يكون في الرؤية إلا الإقرار . وأنشدوا :
قلوب العارفين لها ذهاب * إذا هي شاهدت من لا تراه
وذا من أعجب الأشياء فينا * نراه وما نراه إذا نراه
دليلي إذ يقول رميت عبدي * فلا تعجب فما الرّامي سواه
فما سمّي الشاهد شاهدا إلا لأن ما رآه يشهد بصحة ما اعتقده ، فكل مشاهدة رؤية ، وما كل رؤية مشاهدة ، قال تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
( هود : 17 ) . ومن هنا سأل موسى عليه السلام الرؤية بقوله :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
( الأعراف : 143 ) . وما قال : ( أشهدني ) ؛ فإنه تعالى كان مشهودا له ما غاب عنه ، وكيف يغيب عن رسول من أولي العزم ، ولا يغيب عن بعض الأولياء « 1 » ! فما طلب موسى
هامش
( 1 ) من هنا سقط كبير في ( ب ) يزيد على صفحتين .