وفي هذه الحضرة أيضا يرى الإنسان الجسم الواحد في مكانين في آن واحد ، كما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم موسى عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء في السماء في حال كونه في الأرض ، وقال : « رأيت موسى » « 1 » . وما قال : ( رأيت روح موسى ) ، ولا ( جسد موسى ) ، ونظير ذلك رؤية الإنسان في منامه جسمه في مدينة أخرى ، وعلى حالة أخرى ، يخالف حاله الذي هو عليه في بيته ، وهو عينه لا غيره لمن عرف الوجود على ما هو عليه ، ونظير ذلك أيضا مشاهدة المقتول في المعركة في سبيل اللّه ، وهو في حال رؤيتك عند ربّه حيّ يرزق ويأكل .
وقد رأيت في واقعة وقعت لي طيرا أبيض طويل العنق ، أقبل ، فابتلع الوجود العلوي والسلفي ، وابتلعني من جملة العالم ، فصرت أراه من خارجه ، وأنا في جوفه ، وما بقي له قرار ينزل إليه ليستقرّ ، ولا سقف يصعد إليه ، ثم جاءت بعوضة ، فابتلعت ذلك الطائر بما حواه ، ثم غابت عن العين .
وهذا نظير رؤية آدم في حديث القبضتين ، حين قيل له : « يا آدم ، اختر أيّهما شئت . فقال : اخترت يمين ربّي . وكلتا يديه يمين مباركة ، فلما بسط الحق تعالى يده فإذا فيها آدم وذريته » « 2 » الحديث .
فآدم في هذه القصة في القبضة ، وهو عينه خارج عنها ، فانسخ يا أخي حكم عقلك ، حتى تجمع بين الضدين ، وتصدق رسولك صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبرك به مما أحاله عقلك ؛ لأنك لا تتعقل شيئا قطّ من ذلك ، وميزان العقل موجود معك ، ولولا أن
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1243 ) ، وذكره ابن كثير في تفسيره ( 1 / 584 ) .
( 2 ) حديث صحيح : وهو حديث طويل ، رواه الترمذي ( 5 / 453 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 64 ) ، وابن خزيمة في التوحيد ( ص 67 ) ، والبيهقي في الأسماء والصفات ( ص 410 ، 411 ) ، وصححه الترمذي ، والحاكم ، والذهبي في الأربعين في صفات ربّ العالمين ( 75 ) .