تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
حضرة الخيال تقبل المحال ما قدر العقلاء على فرض المحال ؛ لأن العاقل لولا صوّره في نفسه ما قدر على فرضه ، وإنما صحّ لنا رؤية الحق تعالى في المنام مع حديث : « إنّكم لن تروا ربّكم حتّى تموتوا » « 1 » ، لأن النوم أخو الموت ، فلما كان الموت يطلق على النوم بضرب من التشبيه قلنا بصحة رؤية الحق تعالى فيه ، وكذلك لما تجلى الحق تعالى للجبل خرّ موسى صعقا ، وصار الجبل دكّا ، فما أطاق موسى الكلام حتى صعق ، وتحلل التركيب منه . وكان الدكّ للجبل بمنزلة الموت له ، حتى أطاق سماع الخطاب ؛ إذ السماع « 2 » لمن لا مثل له كالرؤية لمن لا مثل له سواء . فهذا هو السبب المجوّز لرؤية الحق تعالى في الحياة الدنيا في المنام . وكان أبو يزيد رضي اللّه عنه يقول : الحقيقة تأبى أن يكلم الحق تعالى غير نفسه ، أو يسمعه غير نفسه ؛ فإنه تعالى إذا أراد أن يكلّم عبدا لا بدّ أن يحبّه ، وإذا أحبّه كان سمعه وجميع قواه ، فما سمعه تعالى حقيقة إلا هو . ومن المحال أن يطيق حادث سماع كلام القديم أو يتعقّله ، ولم يكن الحق تعالى لسانه عند النجوى ، ولذلك كان صلى اللّه عليه وسلم مع كماله يغيب عن نفسه وإحساسه عند الوحي .

مطلب : في حقيقة النوم

واعلم أن حقيقة النوم أنه برزخ بين الموت والحياة ، فالنائم لا حيّ ولا ميت ،
هامش
( 1 ) حديث صحيح : رواه النسائي ( 4 / 419 ) ، وابن أبي عاصم في الآحاد ( 2 / 446 ) ، والطبراني في الشاميين ( 2 / 185 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 5 / 157 ) . ( 2 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : السماع هو إصاخة القلب لناطق الغيب من وراء حجاب العزة ، بشرط خمود الحسّ وانقطاع خبر الفكرة ، وحقيقته : تمييز الخبر المطابق لعينه من عكسه ، وغايته : فهم معاني الكلمات الواجبة المتعلقة بحروف الإمكان الكائنة بمراد القول الإلهي في لوح الحدوث ، المحيط بذات الكثرة التي لا تتناهى بالعدد ، ولا تنقطع من تواصل المدد اه .