وفي رواية : « كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب » « 1 » .
اعلم أن النور الذي يتجلى الحق تعالى فيه في الآخرة إنما هو نور لا شعاع له ، فلا يتعدى ضوؤه نفسه ، ويدركه البصر في غاية التجلي والوضوح .
فمعنى قوله : « كما ترون القمر ليلة البدر » : يعني إذا كثف ليلة بدره ؛ لأن عند ذلك يدرك البصر المثال المشبّه بالقمر إدراكا محققا .
ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم لما قيل له : كيف رأيت ربّك يا رسول اللّه ؟ قال : « نور أنّى أراه » « 2 » ، فما رأى ذلك النور ، وهو نور شعشعانيّ ، والأشعة تذهب بالأبصار ، وتمنع
هامش
- بتحقيقنا - والسنن الكبرى ( 1 / 464 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 11 / 466 ) ، والبغوي في معالم التنزيل ( 4 / 232 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 2 / 296 - 297 ) ، والمعجم الأوسط ( 2 / 194 ) ، ( 8 / 90 ) ، والدارقطني في الرؤية ( 106 ) ، وكذلك ( 137 ) ، ( 149 ) ، ( 155 ) ، ( 163 ) ، ( 165 ) ، بتحقيقنا . قلت : وألفاظ هذا الحديث وطرقه كثيرة .
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 277 ) ، ومسلم ( 1 / 164 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 457 ) .
( 2 ) قال سيدي عبد القادر الأمير في « المواقف » في الكلام على هذا الحديث : والتحقيق عندنا أنه رآه يقظة ليلة الإسراء ، وما زاغ بصره وما طغى ، وجوابه للسائل إنما لكونه عرف منه أنه لا يعرف إلا رؤية الذات البحت مجردا عن المظاهر ، ولا يعرف هذا السائل أمر التجلي ، فكان هذا الجواب الساذج أولى به ، وإمّا أن يكون السائل لا يعرف إلا الرؤية المعتادة عند العامة التي تمنع أنوار الأشعة من تحقيق ما رأى فورّى له صلى اللّه عليه وسلم بأن الحق تعالى اسمه النور ، وأمر النور في منع تحقيق الرؤية مشهور ، ما قال : ( ما رأيته ) ؛ لأن هذا السائل لا يعرف أن من رأى الحق إنما يراه ببصر الحق لا ببصره المقيد ، فإنه قال : ( فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ) الحديث اه .
ثم قال : فمحمد صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه يقينا في مظهر ، وهو التعيّن الأول ، وهو الخاصّ بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، لا يشاركه فيه غيره من رسول أو ملك ، والرؤية في غير تعيّن محال ، وهذة الرؤية التي حصلت لمحمد صلى اللّه عليه وسلم هي التي سألها موسى ، فمنعها على حسب سؤاله لا مطلقا اه . ثم قال : والمحققون -