فعلم مما قررناه أن الحق تعالى لم يزل مجهولا من حيث الوجوه التي لم يقع للخلق التجلي فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ومن يراه منّا في الآخرة لا يرى عين ذاته الحقيقي ، وإنما هو كشف صحيح خياليّ مثاليّ ، صرحت به الأخبار الصحيحة ، وإلا فجلّت ذات اللّه أن يحاط بها .
وكان شيخنا الشيخ عليّ الخوّاص رضي اللّه عنه « 1 » يقول كثيرا : ما عرف الحق تعالى أحد من حيث ما يعرف الحق تعالى نفسه أبدا ؛ لأن الأرواح المدبّرة إنما ظهرت بصورة مزاج القوابل ، فلا تتعدى في التدبير ما تقتضيه الهياكل ، ولا يمكن أن يظهر الحق تعالى فيها إلا بصورة ما تقبله ، وما هي على صورة الحق في الحقيقة ، وإنما المدبّر على صورة المدبّر ؛ إذ لا يظهر فيه منه إلا على قدر قبوله لا غير ، « خلق اللّه آدم على صورته » .
فلا يعلم من الحق ولا يرى منه إلا ما هو عليه الخلق ، فمن اعتمد على العالم من هذا الوجه فقد اعتمد على أمر محقق لا يتغير دنيا ولا أخرى ، فليس الحق إلا ما هو عليه الخلق من العلم به ، وهو تعالى في نفسه على ما علم ، وله في نفسه ما لا يصحّ أن يعلم أصلا ، وهو المشار إليه بقوله تعالى :
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( آل عمران : 97 ) .
هامش
( 1 ) هو الولي الكامل العارف باللّه تعالى سيدي عليّ الخوّاص البرلسي ، شيخ المصنّف رضي اللّه عنهما ، وقد ترجمه في « الطبقات » قائلا : كان رضي اللّه عنه أميّا لا يكتب ولا يقرأ ، وكان يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلاما نفيسا ، تحيّر فيه العلماء ، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات ، فكان إذا قال قولا لا بدّ أن يقع على الصفة التي قالها ، وكنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم ، فما كان قطّ يحوجهم إلى الكلام ، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها فبل أن يتكلم ، فيقول : طلّق ، مثلا ، أو شارك ، أو فارق ، أو اصبر ، أو سافر ، أو لا تسافر ، فيتحير الشخص ، ويقول : من أعلم هذا بأمري اه .