تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وكما لم تكن « 1 » صنجة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا في حقيقة ولا صورة ولا عين كذلك العبد وإن خلقه اللّه تعالى على صورته فلا يجتمع معه في حدّ ولا حقيقة ؛ إذ لا حدّ لذاته تعالى ، والإنسان محدود بحدّ ذاتيّ ، لا رسميّ ، ولا لفظيّ . فالإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته . فإذا وقفت يا أخي على هذا الميزان زال عنك ما تتوهمه في الصورة من المشاركة للحق في الحقيقة ؛ فإن اللّه تعالى هو الخالق ، وأنت العبد المخلوق ، وكيف للصنعة أن تعلم صانعها ! إنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته ، وأنت صنعة خالقك ، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك ، وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حدّ واحد وحقيقة واحدة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها ، والأمر على خلاف ذلك . فاعلم بأيّ ميزان تزن نفسك ، فإنك صنجة حديد يوزن بها ما لا ثمن له ، وإن اجتمعت مع الموزون في المقدار فما اجتمعت معه في القدر ولا في الذات . تعالى اللّه عن ذلك ، وإنما قال فيما تقدّم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 2 » ، ولم يقل : ( فقد عرف ذات ربه ) ؛ لأن الذات لها الغنى على الإطلاق ، وأنّى للمقيّد معرفة المطلق الذي هو اللّه ، بخلاف الاسم الرب ، فإنه يطلب المربوب بلا شكّ ، ففيه رائحة التقييد . ولذلك أمر اللّه تعالى العبد أن يعلم :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
( الأنعام : 19 ) ؛ لأن الإله يطلب المألوه ، بخلاف اسم الذات الخصيصى ، فإنه غنيّ عن الإضافة .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : تصح والمثبت من ( أ ) ، ( ج ) . ( 2 ) تقدم تخريجه .