تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فإنه كله قد ورد على جهة التغليظ والرجم ، فإن الشيء قد يطلق على الشيء الآخر بنوع من التشبيه ، ولا يقتضي حقيقة الحكم عند التفصيل ، كما يقول الرجل لأجنبيّ : ( أنت أخي وولدي ) على طريق التقريب والإكرام ، ثم لا يرثه إذا مات ، ولا يحرم عليه بناته وأخواته ، وكما يقول الرجل لآخر : ( أنا عبدك ) على معنى التواضع والطاعة لا يجوز بذلك بيعه ولا امتلاكه ؛ فلذلك قلنا : إن معنى إطلاق الكفر على هؤلاء الفرق المخالفة لأهل السنة إنما هو كناية عن فحش مقالالتهم ، لا لإجراء أحكام الكفرة عليهم . وإن الفريق الثاني من الأئمة لم يجعلوا أحدا من المؤولين كافرا ولا مكذبا للرسل وأمسكوا من القول بالتكفير جملة ، وقالوا : لو كان المؤولون مكذّبين للرسل كالكفرة لم يعتنوا بتأويل كلامهم ، ولم ينشغلوا به ، بل كانوا يضربون عنه صفحا جملة واحدة ، فأشعر عدولهم إلى تأويله بأنهم قبلوه ، وصدّقوا الرسول فيما أخبر ، غير أنهم لم يوفّقوا للصواب في التأويل ، وأخطأوا فيه ، فكان حكمهم كحكم من فرّ من الكفر ، فوقع في البدعة بخطئه .

وهنا سرّ عظيم :

حبّب لي أن أنبّهك عليه يسري معك في جميع مسائل الشريعة وهو : أن الشارع إذا أتى بلفظ ما فإنه يحمل على ما هو المفهوم منه من لغة العرب ، حتى يخصصه الشارع بوصف خاصّ ، يخرجه بذلك عن مفهوم اللغة ، فإذا عين الشارع ما أراد بذلك اللفظ صار ذلك الوصف أصلا ، فلا ينبغي الخروج عنه حتى يدلّ دليل آخر من الشارع أو من قرائن الأحوال أنه يريد بذلك اللفظ المفهوم منه في اللغة ، لا في
هامش
- ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 875 ) ، ومسلم ( 1 / 76 ) ، وأبو داود ( 2 / 633 ) ، والترمذي ( 5 / 15 ) ، والنسائي في الكبرى ( 8 / 63 ) ، وأحمد ( 2 / 243 ) .