أرسله إلينا بأمور إن وقفنا عند ظاهرها وحملناها على اللّه تعالى كما نحملها على نفوسنا أدى ذلك إلى حدوثه ، وزال كونه إلها قديما ، وقد ثبت ألوهيته وقدمه ، فننظر هل لها مصرف في اللسان الذي جاء به رسولنا ؟ فإن كل رسول إنما يرسل بلسان قومه وما تواطؤوا عليه ، فنظروا أبوابا مما يؤول إليها ذلك الوصف مما يقتضي التنزيه ونفي التشبيه ، فحملوا تلك الألفاظ على ذلك الأمر .
فإن قيل لهم : أيّ شيء دعاكم إلى ذلك ؟
قالوا : أمران :
الأول : القدح في الأدلة ، فإنا بالأدلة العقلية قد أثبتنا صدق دعواه ، فلا نقبل ما يقدح في الأدلة العقلية ، وإن ذلك قدح في الأدلة على صدقه .
الثاني : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أخبرنا أن اللّه تعالى الذي أرسله ليس كمثله شيء ، فوافق الأدلة العقلية ، فتقوّى صدقه عندنا بمثل هذا ، فإن قبلنا ما قاله عن اللّه على الوجه الذي يعطيه ظاهر اللفظ ونحمله عليه كما نحمله على المحدثات ضللنا ، فأخذنا في التأويل إثباتا للطريقين . ولو اتسع نظر هؤلاء لعلموا أن اللّه تعالى واسع عليم ، يقبل كل نعت أضافه إلى نفسه .
ومعلوم : أن الرسل أعلم الخلق باللّه تعالى ، وقد جاءوا بآيات الصفات ، ولم يؤولوها لأممهم ، فعلم أن من اعتقد نسبة النعوت الإلهية إلى مثل نسبتها إلى نفسه فهو جاهل ، وهو على النصف في الإيمان ؛ لأنه قبل نعت التشبيه ، ولم يقبل نعت التنزيه .
فها قد أبنت لك : عن الغلاة والمقتصدين في التأويل ، وميّزت لك بعضهم عن بعض على وجه الحق ، وكلهم مسلمون ، فإيّاك أن تجازف وتحكم على جميع المؤولين بحكم واحد ، وتجعلهم في الحكم كالمكذبين للرسل سواء ، كما عليه الفريق المتقدّم
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 185
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٨٥