مؤذن بعدم الفصاحة والقصور عن البيان ، ولا يليق التأويل إلا لكلام عامة المسلمين ؛ لنقصهم وقصورهم ، لكن إن رأى العالم باللّه أن عدم التأويل للسائل يؤديه إلى محظور فله أن يؤول على قدر ما يقوم به التعظيم في قلب السائل رحمة به .
وأخبث المؤولين من طعن في الرسل عليهم الصلاة والسلام وجعلهم تحت سلطان الخيال والأوهام ، وهذا من الأخسرين ؛ لغلوّه في التأويل .
ودونه في الغلو من قال : إن الرسل أعلم الناس باللّه تعالى ؛ لكنهم تنزلوا في الخطاب في أخبار الصفات على قدر أفهام الناس ، لا على ما هو الأمر عليه في نفسه ؛ فإنه محال ؛ فهؤلاء كأنهم كذبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما نسبه إلى ربه ، وجاء به بحسن عبارة .
ودونه في الغلو في التأويل : من لم يقل بالتنزل في العبارة ، وإنما يقول : المراد بهذا الكلام كذا وكذا دون ما تفهمه العامة ، كما عليه بعض الصوفية ، فهؤلاء تحكّموا على اللّه تعالى بما لم يحكم به على نفسه .
ودونه من قال : نؤمن بهذا الكلام كما جاء من غير أن يعقل له معنى على حد علم اللّه تعالى فيه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : إن الإيمان بهذه اللفظ لا يضرنا ، ونسبة هذا الوصف إليه سبحانه وتعالى مجهولة عندنا ؛ لأن ذاته تعالى مجهولة من طريق الصفات الثبوتية ، ومن طريق السلب ، فلا يعوّل على ذلك ، والجهل باللّه هو الأصل ، فجهلنا بنسبة ما وصف به نفسه أعظم ، فنسلم له ونؤمن بما أخبر به عن نفسه ، فلسان حال هؤلاء يقول : إن اللّه تعالى خاطبنا بما لا نفهم ولا نتعقل ، وغاب عنهم أن الحق لا يكون تجليه للعالم إلا على صورة التقييد ؛ إذ لا يقبل العالم غير ذلك دنيا ولا أخرى ، كما مرّ تقريره .
وطائفة قالوا : لا نشكّ في صدق رسولنا ؛ ولكنه قد أتانا في نعت ربنا الذي
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 184
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٨٤