الحق تعالى وصف الإنسان الكامل بأوصاف نفسه « 1 » ، فهو نفي لمماثلة اللّه ؛ إذ ليس للّه مثل [ إلا الكامل ] ، فلا يماثل الكامل شيء من العالم ؛ لكونه مخلوقا على صورة الحق ، التي يتجلى فيها لعباده في الدنيا والآخرة ، كما تقدّم بسطه في فصل الأسئلة لشيخنا رضي اللّه عنه .
فإن قيل : كيف يصحّ تعقّل وجود الخلق مع الحق في رتبة الإطلاق ، ولا حلول ولا اتحاد ؟ !
قلنا للسائل : ألم تعلم أن اللّه على كل شيء قدير ، فلا يسعه أن يقول إلا : نعم ، فتقول له : فمن قدرته تعالى أنه خلق الخلق ، وخاطبهم ، وأمرهم ، ونهاهم ، ونعّمهم ، وعذّبهم ، وفعل بهم جميع ما فعل في حال كونهم ليسوا معه ، فإن ذاته تعالى لا تقبل الزيادة ، كما لا تقبل النقصان أزلا وأبدا ، فلا بدّ لك من عينين : عين تنظر بها إلى رتبة الإطلاق لتعطي التوحيد للذات حقه ، وعين تنظر بها إلى رتبة التقييد لتعطي الشرع حقه ، والحق تعالى من وراء جميع ما رأيت وما جهلت ، كما مرّ في الهواتف الربانية .
وكان سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه يقول : إيّاك أن تشهد مع اللّه خلقا ، وإن كان ولا بدّ من شهودك لهم فاشهدهم كالأنابيب التي في كوّة الشمس تراهم متحركين صادعين وهابطين ، وإذا قبضت عليهم لم تجدهم ، فهم موجودون في الشهود ، مفقودون في الوجود .
وأنشد الششتري في ذلك :
ولم نلف كنه الكون إلا توهّما * وليس بشيء ثابت هكذا ألفينا
هامش
( 1 ) لا يؤخذ هذا الكلام على ظاهره ، بل يجب تأويله بأن الإنسان الكامل له تعلق وتخلق بأوصاف الحق تعالى بلا مشاركة ولا مماثلة في الصفة الإلهية .