ما ضرب من الأمثال للحق إنما هو على سبيل التقريب للأفهام ، حتى يثبت للسامع شهود وجود الحق لا شهود الحقيقة التي هو تعالى عليها ، وأنه لولا الأمثال التي نصبها الحق تعالى لعباده في الدارين ما صحّت لهم معرفة فيهما ، كما أنه تعالى لولا جعل لهم السمع والأبصار وغير ذلك ما تعقّلوا معنى صفاته القديمة ، ولا كانوا يعرفون ما هو السمع ، وما هو البصر ، ولا كانت تصحّ فيهم محبة له سبحانه وتعالى ؛ إذ محبة اللّه تعالى عينا مطلقة لا تصح لانتفاء المجانسة .
ومن ادّعى أنه أحبّ الحق تعالى عينا فإنما أحب مثالا صوّر في نفسه وتخيله ، وإن كان لا يثبت أكثر من آن واحد وليس هذا إلا لشبهة خاصة فكل محبّ لولا التشبيه ما أحبه ، ولولا التخيل ما تعلّق به ، ولهذا جعله الشارع في قبلة أحدنا ، وجعل قلوبنا تسعه تعالى ، وجعل من القرب منه كهو أو كبعض أجزائه ، فمثل هؤلاء لا يعبدونه إلا ممثلا ، ولا يشاهدونه إلا محصّلا ، وإن كان دليلهم العقلي يمنعهم من التشبيه ، ولكن مع ذلك فقد سمّاهم المحققون : عارفين باللّه عز وجلّ ؛ لأنهم ما تعدوا ما شهدوه من صور التجلي . وثمّ من هو أعلى من هؤلاء ، وهم الذين ترقّوا إلى مرتبة إحسان الإحسان ، وصاروا يستغفرون اللّه تعالى من شهود أنفسهم ، وإذا وقع لهم خشوع من تجلي اللّه استغفروا ، وعدوا ذلك ذنبا .
كما أنشدوا في ذلك :
لا يكون الخشوع إلا إذ ما * يبصر القلب من تدلّى إليه
وتجلّى له بصورة مثل * غير هذا فلا يكون لديه
وقد قدّمنا : أوائل الفصول أن بعضهم ما منع القول بالتجلي بالمثال إلا لظنه أن المثال كالمثل الذي هو المساوي ، ولا مماثل به ، فإن اللّه تضرب له الأمثال ، ولا يقال له مثل .
وكان بعض أشياخي يقول : الصحيح عندي أن الكاف في قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( الشورى : 11 ) كاف الصفة ، كما يدل له قرائن الأحوال ، في كون