وقد قدّمنا : في فصل الرؤية أوائل هذه الفصول : أن للحق تعالى التنزّل إلى عقول عباده ، وليس لنا نحن أن ننزّله بعقولنا ، ونمثّله ونشبّهه بها .
قال اللّه تبارك وتعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( النحل : 74 ) ، فله تعالى أن يضرب لنفسه الأمثال ؛ لعلمه تعالى بنفسه ، وليس لنا نحن أن نضرب له مثلا ؛ لجهلنا به .
ثم لا يلزم من ضربه الأمثال بالجسمانيات أن يكون تعالى جسما ، كما ضرب تعالى المثل لنوره وشبّهه بالمشكاة ، وأين نوره القديم من المشكاة الحادثة ، وكما ضرب المثل للحياة الدنيا بالماء الذي هو جسم والحياة ليست بجسم ، وإنما ذلك كله لتعقل عباده الأمور ، فإذا تعقّلوها ذهب المثل كأنه جفاء ، وبقي معهم العلم بما ضرب له المثل .
ونظير ذلك كلامه تعالى الأزلي ليس بصوت ولا حرف ؛ ولكن لما كان الخلق لا يتعقّلوه إلا بصوت وحرف جاءت لنا به الرسل على هذا النسق ، فلما فهمنا المعاني القائمة بالحروف ووقر ذلك في قلوبنا ذهب الصوت والحرف كأنه جفاء ، وبقي معنا العلم بها ، ولم نحتج بعد ذلك للحروف ، حتى لو مسحت من الطروس ، أو لم ننطق بها ، كفانا ما وقر عندنا .
واعلم : أن الحق تعالى كما تنزّل من عليّ ذاته إلى العقول كذلك له أن يتكلّم [ بصوت وحرف ] « 1 » كما له أن يتجلى في الصورة كما جاءت به الأخبار الصحيحة « 2 » ؛
هامش
( 1 ) ليس المراد أن كلامه النفسي سبحانه بصوت وحرف ولكن المراد - واللّه تعالى أعلم - أنه يتجلى بصفة الكلام هكذا كما يتجلى في الصورة . وهذا من المتشابه الذي لا يؤخذ على ظاهره لتنزيهه تعالى عن المشابهة والمماثلة لخلقه وانظر حقيقة التجلي ص 179 عند قوله « وملخص جميع ما قدمناه . . . » بهذا الكتاب تتخلص من الإشكال .
( 2 ) جاء في هامش ( ب ) : وقدر روي عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه أنه قال : لقد تجلى اللّه تعالى لعباده في -