لأن من المحال أن يكون لعبد ذوق في الإلوهية ، بخلاف الحق تعالى ؛ له ذوق في المألوه من حيث أنه يطلبه ، ومن حيث أنه تعالى وصف نفسه بصفات عبده ، من النزول والمشي والمرض ونحو ذلك ، فهو تعالى [ مثل ] الأشياء في رتبة التقييد ، وليست الأشياء [ مثله ] فيها ؛ إذ هو عينها ، وليست هي عينه ، ولذلك يقال : مثل اللّه في خلقه مثل السلطان في ملكه ، ولا عكس انتهى كلامه .
فمن نظر الوجه الذي يلي الحق تعالى قال : لا دليل عليه تعالى سواه ، ومن نظر إلى وجه الخلق قال : كل ما سوى اللّه فهو موصل إلى اللّه ، وأكثر من هذا البيان لا يقال .
فَعُلِمَ : أن الحق تعالى مطلق في عين التقييد ، وما تقيّد إلا في شهود العبد لا غير ؛ لإثباته نفسه مع اللّه تعالى ، ولو بلغ مبلغ العارفين لتعدى بنور قلبه عن هذا التقييد إلى ما وراءه من رتبة الإطلاق ، فعلم رتبة الإطلاق علما لا ذوقا ، ورأى جميع ما عرفه من صورة التقييد كالهباء المنثور ، وعلم حين ذلك الاطّلاع عدم التقييد على الحق تعالى ، وأنه فعّال لما يريد ، وأن من رحمته بخلقه التنزل إلى عقولهم بضرب من التمثيل والتشبيه حتى يعرفوه تعالى .
كما أنشدوا في ذلك :
ولست أعبده إلا بصورته * فهو الإله الذي في طيّه النشر « 1 »
وكان الشيخ محيي الدين رحمه اللّه ينشد كثيرا :
فتقييده إطلاقه من وثاقنا * فما ثمّ إطلاق يكون بلا قيد
فمن عرف الأشياء قال بقولنا * فعود على بدء وبدء على عود
هامش
( 1 ) بالأصل : البشر ولعل ما ذكرنا للصواب أقرب لأن الطي والنشر مصطلح بلاغي ، والمعنى يفيد الوحدة في الطي والكثرة أي الخلق في النشر .