ثم تأمّل في قوله تعالى لمحمّد صلى اللّه عليه وسلم :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ
( الفجر : 22 ) ، يعني ربك الذي عرفت أنت ، لا ما عرفه غيرك ، فإن لكل أحد [ ربّا ] ، وهو الوجه الذي عرفه من الحق تعالى ، وتقدّم أن وجوه المعارف على عدد الخلق ، فكذلك [ الأرباب ] « 1 » على عدد الخلق ، فإذا كان ما عرفه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حضرة الربوبية الخاص به قد وصف بالمجيء فكيف بما عرفه غيره ! فإنه صلى اللّه عليه وسلم أوسع الرسل مرآة .
وكذلك تأمّل قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
( الأعراف : 54 ) ، يعني ما شهدتموه من التقييد هو عين الإطلاق ؛ إذ حضرة الربّ مقيدة بوجود المربوب معها وطالبة له ؛ لكونها برزخا بين الحق والخلق ؛ إذ هي الحظ الذي قسم الدائرة نصفين ، فافهم فلها وجهان : ما يلي الحق تعالى له الإطلاق ، وما يلي الخلق له التقييد ؛ لأن الخلق لا يتعقّلون إلا ما كان على صورتهم ، ولسان الحق تعالى حينئذ يقول : أنا حقيقة عبادي ، وليس عبادي حقيقتي .
وأنشدوا في ذلك :
فما ترى عين ذي عين سوى عدم * فصحّ أنّ الوجود المدرك اللّه
وما يرى اللّه غير اللّه فاعتبروا * قولي ليعلم منحاه ومعزاه
وكان أبو يزيد رضي اللّه عنه يقول : الحق عين ما ظهر ، وليس ما ظهر عين الحق .
وكان الشيخ محيي الدين رحمه اللّه يقول : من العلم الغريب الذي تغرّب عن وطنه وأنكرته العقول كلها أن الحق تعالى [ عين ] الأشياء ، وليست الأشياء [ عينه ] ؛
هامش
( 1 ) لأن المقصود بالأرباب وجوه التعرف على اللّه تعالى عند كل إنسان ، فلكل إنسان وجهه في التعرف على اللّه تعالى ، ومن هنا كان تنزيهنا للحق بقوله : سبحان ربي العظيم والأعلى ، لا بقول سبحان اللّه ، لأننا ننزهه من حيث أن وجهه معرفتنا به على قدر عقولنا ووهمنا لا على قدره هو سبحانه .