ومحال أن يوجد فرع من شجرة ثابتا بين السماء والأرض ليس له أصل تفرّع منه ، فافهم .
وقد عذر اللّه تعالى جميع عباده في حيرتهم فيه وعدم إحاطتهم به وعدم معرفتهم بما يجب له من الصفات ، حيث بذلوا وسعهم ، وأمعنوا في النظر ، ولكن ذلك راجع إلى مرتبة التقييد ، أما مرتبة الإطلاق فلم يؤمر أحد بالنظر فيها ، بل نهى تعالى عن الفكر فيها ، كما تقدّم تقريره في الفصول السابقة ، وذلك لأنه تعالى سمّى نفسه برب العزة ، وبالعزيز ، والعزيز هو المنيع الذي لا يوصل إلى معرفة كنهه وحقيقته ؛ إذ لو وصل إلى ذلك ما كان عزيزا منيع الحمى ، وقد أنشدوا في ذلك كما تقدّم :
وغاية الوصل بالرحمن زندقة * فإنّ إحسانه جزاء إحسان
إن لم أصوّره لم تعلم بما كلفت * روحي وتصويره ردّ لبرهاني
وأنشدوا أيضا :
اللّه اللّه لا عقل يصوّره * والوهم [ يعبده ] في صورة البشر
والشرع يطلقه وقتا ويحصره * والكون يثبته في سائر الصور
فما عرفه تعالى أحد من كل وجه ، ولا جهله أحد من كل وجه ، ولا يخرج أحد عن الجهل باللّه تعالى إلا إن علم اللّه تعالى كما يعلم اللّه تعالى نفسه ، وذلك ممنوع عند المحققين ، كما مرّ إيضاحه في الفصول السابقة .
مطلب : الخلق كلهم في حجاب عن الإحاطة برتبة الإطلاق ولا يرفع عنهم أبد الآبدين ودهر الداهرين
فالخلق كلهم في حجاب عن الإحاطة برتبة الإطلاق ، ولا يرفع عنهم هذا الحجاب أبد الأبدين ودهر الداهرين ، ما دام الوجود عبدا وربّا ؛ فافهم .