تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
إذ كل موجود لا بدّ له من تخيل إله ثابت في قلبه يلجأ إليه في الشدائد ، وبه كان قيامه وبقاؤه ، فالمعطل في لسان المحققين إنما هو الذي عطّل شيئا من صفات الباري جلّ وعلا ؛ لقصور نظره لا غير ، وما ثم لنا معطل على الإطلاق أبدا ، وأكثر المعطلين تعطيلا من قال إنه ما ثم إلا وجود الحق ، والخلق كلهم مظاهره ؛ فإنه يعطل بهذا القول جميع الأسماء التي تطلب الحضرات : كالرب ، والرحمن ، والغفور ونحوها ، فتأمّل . وأما العارفون الذين فاق نور إيمانهم نور عقولهم بل علموا بإعلام من اللّه تعالى لهم في تجليه في قوله :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
( الصافات : 180 ) ، أنّ ثمّ وراء هذا المقيد الذي عرفوه شيء لا يصحّ أن يشهد ، ولا يعرف ، ولا يحصر ، ولا يشبّه ، ولا يمثّل ، ولا يحاط به دنيا ولا أخرى ، وهي مرتبة الإطلاق ، فقرروا رضي اللّه عنهم مرتبتي التجلي في الإطلاق والتقييد ، وعرفوا الحق تعالى بهما ، ورأوا الإطلاق في عين التقييد ، والتقييد في عين الإطلاق ، فكانوا عارفين به غير عارفين به ، لعدم إحاطتهم بذاته تعالى ، فكانوا كالواقفين على شهود العين الأولى من شبكة صياد السمك التي تفرعت منها كل عين في سائر الأدوار ، وكالواقفين على مجموع أفواه السكك المتوجّهة للحضرة الإلهية ، التي هي منتهى كل طريق ، فلا يرون منها طريقا إلا ومنتهاها إلى تلك الحضرة ، ولذلك لا تجد قطّ عارفا ينكر على أحد من المسلمين ما اعتقده في ربّه عز وجلّ أبدا ، إما لعلمه بأنه ما ثمّ شيء في العالم إلا وهو مستند إلى حقيقة إلهية للمعية السارية في الوجود بأسره ،
هامش
- فالمنفى هو فوقية المكان لا مطلق كون اللّه على عرشه ، فهو على عرشه على المعنى الذي أراد ، لا على المعنى الذي يثبته الحشوية .
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 168 | عبد الوهاب الشعراني / أحمد فريد المزيدي / جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار