تعلم أنه تعالى إنما قيّد نفسه في هذه الحضرات الأربع ليعرفه عباده بالتقييد رحمة لهم ؛ لكن منهم من أطلعه على الإطلاق ، والمبقون « 1 » في رتبة التقييد ، ومنهم من أوقفه على ظاهر الحضرات ، وحجبه عن باطنها ، وبذلك تميز العارفون عن غيرهم .
وكان سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه « 2 » يقول : قد محق اللّه تعالى الأغيار بهذه الآية ؛ فإنه جعل نفسه عين ما ظهر ، وعين ما بطن ، وكذا هي حضرة الذات المقدسة انتهى .
فالمؤمنون واقفون خلف حجابهم ، لا يدرون ما وراءه من الإطلاق ، فهم في حيرة ، وما ثم معهم نور إيمان ، يفوق نوره نور الأدلة حتى يدرجها فيه ، فلا يزال المنزّه منهم ينزه ، حتى يصير غير قابض في معتقده على شيء يعتمد عليه ، فهو بين تجسيم تارة ، وتعطيل لشيء من صفات الحق تارة .
وقول بعضهم عن المعطل : ( إنه يقول : ما ثم إله أصلا ) بناء على غير أساس « 3 » ؛
هامش
( 1 ) في ( أ ) : المبطلون ، وفي ( ب ) : البطون ، وما أثبتناه اسم مفعول من : أبقى ، أقرب للصواب واللّه تعالى أعلم .
( 2 ) هو العالم باللّه تعالى : سيدي أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن عبد الجبّار الشاذلي رضي اللّه عنه ، شيخ الطائفة العلية الشاذلية ، وينتهى نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ، العلم المشهور ، وشهرته بالولاية والصلاح تغني عن تعريفه ، ألف الكثير من الكتب في مناقبه ، والتعريف بشيء من سيرته الزكية ، ومن أجلّ تلك الكتب « لطائف المنن » للشيخ ابن عطاء رضي اللّه عنه ، و « المفاخر » للشيخ ابن عباد ، وتعطير الأنفاس لأبي الصلاح ، وكلاهما بتحقيقنا .
( 3 ) وهذا تكذيب ودحض لزعم الحشوية أن قول الأشاعرة بأن اللّه تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه نفي لوجود اللّه ، فإن الداخل والخارج من صفات الأجسام واللّه تعالى ليس بجسم قطعا فكيف يوصف بالتحيز بالداخل أو بالخارج ؟ ! وفيه دحض لتمويه ابن تيمية في قوله إن الأشاعرة يقولون ما فوق العرش إله يعبد ، فإن الذي ينفيه الأشاعرة كون فوقية اللّه على عرشه فوقية مكان -