فمن أراد السلامة فليتمشّ مع الشرع حيث مشى ، ويقف معه حيث وقف ، من غير مزيد ، وإن تناقضت عنده الأمور وتصادمت فذلك له تعالى لا للعبد ، وليقل : لا أدري هكذا جاء الأمر من عند ربّي ، فإذا بلغ مبلغ العارفين علم أن الحق تعالى لا تقييد عليه ، وأنه يفعل ما يشاء ، فهو عارف له في كل تجلّ ساكت لا يتكلّم ، ويعلم أن كل صورة تجلى الحق تعالى فيها على التخيل لا تبقى في زمانين ، إنما تعرض للعارف ليعرف أحكامها ، فإذا عرف أحكامها ذهبت تلك الصورة ، وذهبت أحكامها بذهابها ، هكذا شأن تجلي الحق تعالى أبد الأبدين ودهر الداهرين .
ثم اعلم يا أخي أن جميع الشرائع المنزّلة ما أخذها من أخذها إلا من رتبة التقييد ؛ لأن أدنى ما يشهد في أعلى مراتب الآخذين عن اللّه عز وجلّ الوحي بلا واسطة ثلاثة : آخذ ، ومأخوذ منه ، ومأخوذ عنه ، ومن لازم ذلك عند كل صاحب عقل الجهة والتحيز « 1 » ، فجاءت مرتبة التقييد ، وقول بعضهم : ( لا يلزم من ذلك الجهة ؛ لأن الجهة لا تكون إلا للأجسام ، والحق تعالى منزه عن الجسم ) إنما هو تستير على من لا يعرف الأمور ، مع أن كلامنا إنما هو مع من هو في حجاب العقل ، ومع المنصفين لا الذين يجاوبون بخلاف ما يتعقّلون من غير ذوق ؛ فافهم .
وإذا كانت مرتبة التقييد لازمة لأول آخذ عن اللّه عز وجلّ : من ملك أو رسول فغيره من القاصرين أولى بتقريرهم على معرفتهم لربهم في رتبة التقييد ، فما أثبته للآخذ الأول فأثبته للآخذ بالحجب والوسائط من باب أولى .
ومن قال من المتصوفة ما أخذ آخذ إلا من نفسه ولا أرسل إلا إليها منها إليها فيها ، خباط عند كل عاقل ، وقد أنشدوا في ذلك :
هامش
( 1 ) لا يلزم من ذلك جهة واللّه أعلم لإمكان خلق الأمر الموحى بها في جهة يأخذ منها الآخذ عن اللّه . فالذي في الجهة هو الأمر والوحي لا المولى عز وجل .