فمن أنكر صفات التشبيه التي أضافها إلى نفسه فقد أخطأ ، ولم يصدق الرسل فيما أخبروا به عن ربّنا عز وجلّ ، وأصل ذلك فرارهم من اشتراكهم مع الحق في الصفات ، وهم واقعون في ذلك شاءوا أم أبوا ؛ فإنه تعالى من حيث خلق عالم المواد ما تجلى لكل مخلوق إلا بصورة ذلك المخلوق ، غير ذلك لا يكون ، فما عرف عارف إلا صورة نفسه في مرآة الربوبية ، فللحق تعالى أن يردّ على عباده المعرفة ، ويقول لهم :
ما أحد منكم عرفني ، وله أن يقرّهم عليها ؛ لأنها هي المعرفة الممكنة لنا ، التي كلفنا بها .
واعلم أن أعلى الخلق معرفة باللّه عز وجلّ الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وما منهم أحد إلا وقد جاء بآيات الصفات التي تعطي التشبيه ، ولو كانوا يعلمون استحالتها على اللّه مطلقا كما يقول به المنزهة على الإطلاق لأولوها لأممهم ؛ لتحوز أممهم كمال الإيمان ، فإن كل رسول اللّه مأمور بترقّي أمته إلى أعلى مراتب الإيمان ، ثم لا يخفى أن من أوّل أخبار الصفات بعقله ما آمن حقيقة إلا بما قبله عقله ، لا بما جاءت به الرسل من عند اللّه ، ففات هذا المؤول كمال الإيمان لا أصل الإيمان ، ولهذا المعنى لم يبلغنا قطّ أن أحدا من أكابر الصحابة أوّل شيئا من ذلك ؛ لكمال إيمانهم وتصديقهم .
وكان ابن عباس رضي اللّه عنه وغيره يقولون : الباب الذي ضلّ فيه من ضلّ وهلك فيه من هلك ابتغاء التأويل فإن اللّه تعالى يفعل ما يريد ، وقد أخبر عن نفسه أنه ينزل إلى سماء الدنيا ، وأنه خلق آدم على صورته ، فما لنا ولمنازعته فيما أخبر هو عن نفسه انتهى .
وقد قلت « 1 » في الفصول المتقدمة : أن للعالم أن يؤول للعامي كل ما أدى ظاهره
هامش
( 1 ) في ( ب ) : تقدم .