وأجمع المحققون على أن المراد ب ( كان ) : الوجود « 1 » ، لا أنها على صورة ( كان ) التي هي من الأفعال الماضية ، فهو حرف وجوديّ ، لا فعل يطلب الزمان ، كما يتوهمه بعضهم ، حتى أنهم أدرجوا في الحديث : ( وهو الآن على ما عليه كان ) ؛ لتخيلهم أن تصريفها كتصريف الأفعال ، ككان ويكون وكائن ومكون ، فمعنى الحديث : اللّه موجود ولا شيء معه في حضرة ذاته : أي ما ثمّ من وجوده واجب لذاته ، إلا هو وحده « 2 » .
فإن قيل : قوله في الحديث : « ولا شيء معه » فيه رائحة تعقل الشيء معه في الأزل ، فلو لا تقدم الإثبات ما صحّ النفي .
قلنا : الشيئية لا تصحبه تعالى ، ولا تطلق عليه ، فكذلك هو ولا شيء معه ، فهو وصف ذاتيّ له سلب الشيئية عنه ، وسلب معية التشبيه ، فهو تعالى مع الأشياء ، وليست الأشياء معه ، والمعية تابعة للعلم ، فهو تعالى يعلمنا فهو معنا ، ونحن لا نعلمه فلسنا معه ، ولولا أنه تعالى أخبر أنه معنا لم يتمكن للعقل أن يعلم ذلك ، فقد علمت أنه تعالى هو الذي أضاف إلى نفسه صفات التشبيه ، ما أحد من عباده أضافها إليه ، وهو الذي أخبر أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، وأنه استوى على العرش ، وأنه خلق آدم على صورته ، وأنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام ، وغير ذلك مما سيأتي بيانه .
هامش
( 1 ) كقوله تعالى :وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً( الأحزاب : 43 ) ، وقوله :وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً( الفتح : 26 ) ، فكلمة كان في الآيتين تثبت وجود الرحمة في كل حال لا في الماضي فحسب .
( 2 ) وتتضح حقيقة هذا المعنى من الحديث إذا وقف القارئ أو القائل على كلمة « اللّه » : كان اللّه ، وقفة طويلة تعطي تمام المعنى الذي يكون في هذه الحالة : اللّه موجود ، ثم يقرأ الجملة الثانية : ولا شيء معه ، فينفي الوجود عما سوى اللّه تعالى بلا احتياج لإضافة عبارة : وهو الآن على ما عليه كان .