تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
حين أظهر الخلق ما تجلى لهم قطّ في رتبة الإطلاق ؛ لأن هذه الرتبة تنفي بذاتها وجود غيرها معها ، وما تجلى بعد إظهارهم إلا في رتبة التقييد ، ومن لازم شهود أهل العقول أنفسهم معه التحيز والتحديد والحصر ؛ إذ المقيد لا يشهد إلا مقيدا ، وأما الإطلاق فإنما يعلم فقط بالإعلام الإلهي لا بالعقل ، ولذلك قررنا غير ما مرة أن أعلى مشاهدة العبد أن يرى إطلاق الحق تعالى وتقييد الكون ، فهذا إذا حققته وجدته تقييدا ، فإن أصل التقييد وسببه إنما هو التميز ، حتى لا تختلط الحقائق ، وقد صار الحق تعالى في قلب هذا الشاهد مقيدا بالإطلاق ؛ لأن الإطلاق بلا مقابل لا يعقل ، ولو كان التجلي في كل صورة في العالم . وبلغنا عن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه : أنه كان يقول بإدراك تجلى الإطلاق ذوقا ، وهذا لا يصحّ إلا عند من يقول أن الحق تعالى يقبل حكم كل ممكن من حيث أنه عين الوجود ، بل ولو قيل بذلك لا يتخلّص له إلا عند فنائه ، لا في حال بقائه مع الحق ، وحينئذ فما رأى إطلاق الحق إلا الحق ، فافهم ، وإيّاك والغلط ؛ فإنه لا حلول ولا اتحاد ولا يلحق عبد رتبة ربّه أبدا ، ولو صار الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه ، فإن الحق تعالى قد أثبت عين العبد معه بالضمير في قوله في الحديث القدسي : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » « 1 » ، إلى آخر النسق . فإن قيل : إن كلام الحق تعالى قديم ، وقد قال اللّه تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
( الحديد : 4 ) ، وهذا يشعر بأنّا معه في الأزل ، كما يقول بذلك الفلاسفة . قلنا : التحقيق أن العالم كله قديم في العلم الإلهي حادث في الظهور . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 159 | عبد الوهاب الشعراني / أحمد فريد المزيدي / جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار