مجعولا نحته ] بفكره ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، فما قرنت الشهادة بالرسالة حقيقة ، إلا بالمعبود [ المنحوت ] المخيل في قلب كل عابد وفي قلبه ، كما أنشدوا :
نحت بالفكر معبودا وقلت به * وصنت عقدا بكفّ الحق محلول
فإذا قد علمت أن الإله الذي دعا الشرع إلى عبادته لا يعقل إلا ممثلا ومتخيّلا ولا يدركه أحد على ما هو عليه في ذاته سهل الأمر حينئذ على النّاس كلهم ، وصحّ وصف [ معبودهم ] بالاستواء والنزول والمعية والتردد والمشي والهرولة وغير ذلك مما سيأتي بيانه في الميزان فإن هذه الأمور إنما تنزّل الحق تعالى ووصف نفسه بها ؛ رحمة لعباده ورفقا بهم .
لكن هنا دقيقة لا تخفى على عارف ، وهو أن العبد كلّما كثر تواضعه وإنكساره وصفاؤه « 1 » وذلّه ، كلما نقص جمال [ الصورة ] المتجلية له ؛ إذ لا يتجلى له فيها إلا صورة نفسه ، وكلّما كثر تكبّر العبد وتجبّره وعزة نفسه كلّما زاد جمال [ الصورة ] المذكورة ، فلا أدنى ولا أحقر من [ الصورة ] المذكورة لكمّل العارفين أبدا ، ولا أكبر ولا أفخم من [ رب ] المتكبرين والجبابرة أبدا ، فما ربحه العارفون من حيث هضم نفوسهم خسروه من جهة حقارة [ إلههم ] المتجلى لهم ، وما خسروه المتكبرين من جهة تكبرهم ربحوه من جهة عظمة المتجلي لهم في [ مرآة ربّهم ] ، فتأمّل هذا السر ما أدقّه وأحلاه ، وادخل إلى فهم هذه الميزان بغير ميزان عقلك ، فتدبّر جميع ما قرأته لك في الفصول السابقة وأمعن النظر ، فإن فعلت ذلك رجوت لك من اللّه تعالى أن
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الصفاء هو تصفي الناطقة من شوائب الحيوانية بانحسام مادة الطبيعة ، وحقيقته : طهارة القلب من نجاسة الشرك بنور التحقيق بتوحيد الأفعال مطلقا ، وغايته : محو ظلام القبح عند بدوّ أنوار شمس الحسن المشهود بأعين الوحدة المطلقة ا ه .