ولو قال : ثالث اثنين لما كان يوصف بكفر ، فإن اللّه ثالث اثنين ، ورابع ثلاثة ، وخامس أربعة ، بالغا ما بلغ ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
( الحديد : 4 ) .
فمن كان في أحديته فهو تعالى ثاني وأحديته ، ومن كان في تثنيته ، فهو تعالى ثالث تثنيته ، وهكذا بالغا ما بلغ ، فهو تعالى مع المخلوقين حيث كانوا ، فالخالق لا يفارقهم ، لأن مستند الخلق الاسم الخالق ؛ استنادا صحيحا لا شكّ فيه ، فلا ينفرد الحق تعالى قطّ في الأربعة بالرابع ، وإنما ينفرد في الأربعة بالخامس ، وذلك لأنه ليس كمثله شيء ، ولو كان تعالى عين الرابع من الأربعة لكان مثلها ، وذلك محال ، فمتى فرضت عددا فاشهد الحق تعالى الواحد ، الذي يكون بعد ذلك العدد ؛ فإنه يتضمنه ، فالخامس للأربعة يتضمن الأربعة ، ولا تتضمنه هي ، فهو يخمسها ، وهي لا تخمسه ، فإنها أربعة لنفسها ، فهو تعالى الواحد الذي يوتر الشفع ويشفع الوتر ، فيقال رابع ثلاثة ، وخامس أربعة ، ولا يقال فيه : رابع أربعة ، ولا خامس خمسة ، ولا عاشر عشرة ، ولولا ذلك الذي قررناه ما صحّ لنا أن نقول في فردية اللّه تعالى : إنه رابع ثلاثة ، وخامس أربعة ، وأدنى من ذلك وأكثر .
فعلم أنه إذا انتقل الخلق إلى المرتبة التي كان فيها الحق تعالى انتقل الحق إلى المرتبة التي تليها ، لا يمكن الوقوف في تلك المرتبة التي كان فيها عند انتقال الخلق إليها .
فانظر هذا السر الإلهي ما أدقه ، فلا يلحق خلق « 1 » حقا أبدا ، ومحال أن تقف
هامش
( 1 ) في ( أ ) : خلقا ، وهو تصحيف ، ويجوز إذا أسند الفعل إلى ضمير المخاطب فيقال : فلا تلحق خلقا حقا ، على مفعولية خلق وحق .