فقال : لأن توحيد العارف جعل الأشياء كلها واحدة فانية في حقيقة اللّه تعالى ، وتوحيد الصديق جعل اللّه واحدا من جملة الآحاد ، وتخصيصه إما بحياة أو بصورة لا مثل لها ، ويستصحب هذا التخصيص التعظيم ؛ ومع ذلك فالصديق « 1 » قاطع بأن حياة اللّه تباين حياة الموجودات بأسرها .
ولهذا كان يقول : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه تعالى قبله » .
فقلت له : فلم ظهر الحق تعالى بالكثرة في الوجود ؟
فقال : إنما ظهر بها لتمكين الجهل في الجاهل ، حتى لا يشهد إلا هي ، فكلما اشتد ظهور هذه الكثرة اختفى الحق تعالى عن الجاهل ، بخلاف العارف ؛ فإنه كلما شهد زيادة الكثرة ظهر الحق له عيانا .
فقلت له : فإذن لا يكون مبعوثا قطّ إلا مع شهود الثنوية التي هي إثبات ربّ وعبد ؟ فقال : نعم ، هذه شيمة جميع الرسل ؛ وذلك لميل البعثة إلى التقييد والتحجير .
فقلت له : فهل يصحّ تعقّل فردية اللّه تعالى من غير تعقل أمر آخر عنه انفردت .
فقال رضي اللّه عنه : لا يصحّ تعقّل المنصف للفردية إلا بعد تعقّل أمر آخر عنه انفرد هذا المسمّى فردا ، فلا بدّ أن ينفرد بنعت لا يكون فيمن انفرد عنه ؛ إذ لو كان فيه ما صحّ له أن ينفرد به ، فلم يكن ينطلق عليه اسم الفرد ، فلا بدّ في ذلك الذي انفرد عنه أن يكون معقولا ، وليس إلا الشفع ، والأمر الذي انفرد به الفرد إنما هو التشبيه بالأحدية ، وأول الثلاثة الإفراد ، فالواحد ليس بفرد .
وهذا هو سبب وصف اللّه تعالى بالكفر كمن قال :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
( المائدة : 73 ) .
هامش
( 1 ) المقصود سيدنا ومولانا أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه وعن سائر الأئمة الراشدين .