آن واحد ، ويتمثل في خياله مسافة وإحاطة ورجوعا وزمانا طويلا في قطع تلك المسافة المتخيلة ، فهذا زمان في آن واحد ، عدميّ بالنسبة إلى الحركة الشمسية ؛ لأن الآن ينافي الزمان ، وقد وجد المدرك فيه مدة ومسافة وإحاطة ورجوعا ، فهذا وجود عدميّ متخيّل لهذا الوجود ، كالمتخيل لعدم العدم في الوجود ، لكن العدم المطلق لا يتخيل إلا ضدّا ، فقد ضلّ من قال : ( إن العارفين لا يجمعون بين الضدين ) ؛ إذ كل من تصور العدم في الوجود فقد جمع بين الضدين .
فقلت له : فإذا المراد بقولهم : كتب اللّه كذا وكذا في الأزل : العلم الإلهي .
فقال رضي اللّه عنه : نعم ؛ فإن اللّه تعالى قد أحصى كل شيء في علمه ، ولكن لا يتعقل الأزل ، إلا أنه الزمان الذي بين وجود اللّه ووجود الموجودات المعقولة ؛ لأن فيه أخذ العهد على الوجود ، فزمان العلم يباين زمان اللّه تعالى الذي لا يتعقّل حتى يطلق عليه علم وإرادة ، فهو وجود عدميّ ، يتعقّل كتعقّل العدم ؛ بخلاف هذا الزمان الأول ، فإنه من حين أراد اللّه إظهار الموجودات فظهر بزمان لائق بالظهور مائل إلى الوجود الظاهر ، إذ الوجود فيه ظاهر من حيث العلم ، خاف لنفسه .
فقلت له : فإذن الوجود المطلق لا يتعقّل له أول ، إلا بحسب الفروع المتعددة شيئا فشيئا .
فقال : نعم ، ومن قال : ( إن الوجود وجد ) فقد جهل .
ومن قال : ( إنه موجود ) فقد جهل أيضا .
فقلت له : لم ؟ ! فقال : لأنا نتيقن أن الوجود لا حقيقة لعينه ظاهرة ولا باطنة ، ولا يطلق عليه حدوث ولا قدم .
لأنّا إن قلنا : ( محدثا ) أثبتنا ثانيا مع اللّه تعالى .
وإن قلنا : ( قديما ) كنّا عارين عن التبعية .
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 137
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٣٧