لأنه آخر المراتب .
فقلت له : فهل العدم حقّ ؟
فقال : نعم ، وما ثمّ إلا حقّ ؛ لأنه متى تلفظ بالشيء صار اسمه حقائق وجوده ، ومتى ثبت حقيقته بالنسبة إلى الواقع عاد وجودا ، فلا تظن أن العدم في لسان المحققين عدم حقيقيّ ؛ إذ هو محال ، إنما مرادهم الفناء ، والفناء بالنسبة لفهم العامة عدم .
فقلت له : أريد أوضح « 1 » من هذا .
فقال : العدم صفة للمدة المحكوم عليها بالخيال أنها كانت قبل وجود الخلق ، وهي عدمية لا وجود فيها ، وهي بالنسبة إلى اللّه تعالى إدراك لائق بذاته ، فلا يطلق عليها الوجود بالنسبة إلى عقولنا ، ولا يطلق عليها العدم ؛ لأنها حقيقة إدراك الذات ، وهذا مما ينفي قول القائلين بقدم العالم ؛ لأنه محل عدم بالنسبة للوجود ، ومحل وجود بالنسبة لإدراك الذات نفسها ، ولا شيء معها ؛ فهو زمان إدراك ، لا زمن حركية شمسية .
ومثاله : النائم الناظر في نومه زمانا ينطوي فيه مدة أيام وليال وشهور بل وسنين ، وهو في مقدار ساعة ، أو أقل ؛ فهذا آن عدميّ انطوى فيه مدة طويلة بالنسبة إلى النائم ، فهي عدم بالنظر إلى هذه الساعة : أعني ساعة الحكم ، فالزمان الذي كان اللّه فيه ولا شيء مثل لهذا الزمان المعدوم المحكوم عليه بقطع المسافة التي تحتاج إلى طول المدة ، فهو زمان إدراك لائق بالهوية ، لا زمن انقضاء لائق بالوجود .
ومثال آخر : وهو أن الشخص إذا كان في محلّ مظلم يدرك نفسه موجودا في
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أصرح .