فقلت له : هذا جمع بين النقيضين : أعني ما هو محال في العقل من غير تأويل ولا تغيير مع الشروط التي يتوقف عليها إثبات التناقض ، وذلك لأن طور الولاية يخالف ما تألفه العلماء الحاكمون على الأمور بمقتضى عقولهم ، فالكامل لا يرى في حال كشفه ويقظته إلا واحدا ، والتعددات كلها عنده معدومة ، ففي اليقظة يدرك العدم المقيد ، وفي حال الكشف يدرك العدم المطلق ؛ إذ العدم المقيد هو الفناء مع الثبوت ، والعدم المطلق هو فناء الفناء الذي هو بقاء الأحدية ، فعلم أنه ما دام العارف يدرك الكثرة لم يبلغ مرتبة الكمال ؛ لأنه يعتقد حينئذ أنه واحد يشبه الجملة ؛ إذ هم متشابهون ؛ فافهم .
فقلت له : فإذن الكامل منزّه عن أن يكون مقلدا أو صاحب دليل .
فقال : نعم ؛ لأن المقلد غير مطلع ، وصاحب الدليل محكوم على عقله ، وإن كان عقله حاكما « 1 » عليه من غير هذا الوجه .
فقلت له : فلم سمّي الكامل خليفة ؟
فقال : لأن الحق تعالى وكّل إليه الأمر ظاهرا وباطنا .
أما في الظاهر : فبإطلاق لفظ الخلافة عليه .
وأما في الباطن : فلكونه جعل علة للخلق « 2 » ، وإن كان اللّه تعالى هو الفاعل لهما فكما أن الإنسان فرع آدم كذلك الخلق في عصر الواحد الكامل فرعه ، والحقيقة تأبى الثنوية في العالم عند كل من فني في اللّه ؛ لأنه لا يحيط بالأسماء والصفات إلا بعد الفناء .
هامش
( 1 ) بالأصل : حاكم ، وهو تصحيف من النساخ .
( 2 ) المراد كون الخليفة سببا للخلق لا خالقا . فالخالق هو اللّه وحده جل عن المشاركة والمماثلة .