تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وهذه هي المرتبة الأولى من مراتب الكشف ، فما دام الشاهد في هذا الشهود فلا يشهد اللّه تعالى في الإطلاق ، فكأنهم قالوا : من فقد [ صور الحق ] المقيدة رآه مطلقا « 1 » . فقلت له : فما معنى قولهم : ( من وجد العارف « 2 » فقد الحقّ ، ومن فقده وجد
هامش
( 1 ) قلت هذا كلام سيدي علي الخواص رضي اللّه عنه وإن كان يلوح من القول المقصود ، أي قولهم : من فقد الحق رآه ، ومن وجده لم يره ، أن من علم استحالة شهود الذات المجردة المقدسة فقد وجد الحق تعالى لأنه تحقق بقول الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك ، الذي هو نهاية إدراك المدركين وعلم العالمين وشهود الشاهدين . واللّه تعالى أعلم . ( محمد نصار ) ( 2 ) قال سيدنا رضي اللّه عنه في الباب السابع والسبعين ومائة من « الفتوحات » : إن العارف عند الطائفة الصوفية هو من أشعر قلبه الهيبة والسكينة وعدم العلاقة الصارفة عن شهود الحق تعالى ، وإذا ذكر اللّه واستولى عليه الذكر يغيب عن الأكوان ، ويهابه كل ناظر ، هو مع اللّه بلا وصل ولا فعل ، كثير الحياء ، في قلبه التعظيم ، يقدّم حقّ الحق تعالى على حظوظ نفسه ، بطنه جائع ، وبدنه عار ، لا يأسف قطّ على شيء ؛ لكونه لا يرى غير اللّه طيّارا أبد الدهر ، تبكي عينيه ، ويضحك قلبه ، هو كالأرض يطؤه البرّ والفاجر ، وكالسحاب يظلّ كل شيء ، وكالمطر يسقي ما يجب وما لا يجب ، لا يقضي وتره قطّ من شيء ؛ وذلك ليدوم افتقاره ، شأنه الفقر والذل بين يدي اللّه ، يفتح له في فراشه كما يفتح له في صلاته ، وإن اختلفت الواردات بحسب المواطن ا ه . وأطال في ذلك قدّس سرّه . ثم قال : وأما صفة العارف عندنا وعند غيرنا من المحققين فهو أن يكون قائما بالحق في جمعيته ، نافذ الهمة ، مؤثرا في الوجود على الإطلاق من غير تقييد ؛ لكن على الميزان المعلوم عند أهل اللّه ، مجهول النعت والصفة عند جميع العالم : من بشر ، وجنّ ، ملك ، وحيوان ، لا يعرف مقامه فيحدّ ، ولا يفارق العادة فيتميز ، هو خامل الذكر ، مستور المقام ، عام الشفقة على خلق اللّه ، عارف بإرادة الحق تعالى قبل ظهور المراد ؛ فيريد بإرادة الحق ، لا ينازع ولا يقاوم ، ولا يقع في الوجود ما لا يريد ، شديد في لين ، يعلم مكارم الأخلاق من سفاسفها ؛ فينزلها منزلها مع أهلها تنزيل حكيم ، يتبرأ ممن تبرأ اللّه منه ، يحسن إليه مع البراءة منه ، يشاهد لتسبيح المخلوقات كلها على تنوعات أذكارها ، لا يظهر إلا لعارف مثله . -