تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الجهل بالذات المقدسة لا يرتفع لا دنيا ولا أخرى . فسبحان من كان العلم به عين الجهل به ، والجهل به عين العلم به « 1 » ! كما أنشدوا في ذلك :
إنّ الصفات التي جاء الكتاب بها * تنزّهت عن مجال العقل « 2 » والفكر
وكيف يدرك من لا شيء يشبهه * من يأخذ العلم عن حسّ وعن نظر
فالعلم باللّه عين الجهل فيه به * والجهل باللّه عين العلم فاعتبر
فكل عارف في حجاب عن شهود الذات أزلا وأبدا . ولا يزال الحق تعالى غير معلوم من هذا الوجه لا شهودا ولا ذوقا ، وسبب ذلك ما قدّمنا أوائل الفصول من أن التجلي الذاتي في غير مظهر ممنوع بين أهل الحقائق ، وما بقي إلا التجلي في المظاهر
هامش
( 1 ) قال المصنف رضي اللّه عنه في « اليواقيت » : فإن قلت : فما معنى قولهم : العلم حجاب على اللّه تعالى ، مع أن العلم هو الذي يكشف حقائق الأمور ؟ ! فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الثاني من « الفتوحات » : أنه ليس المراد به ذمّ العلم ، معاذ اللّه أن يريد القوم ذلك ، وإنما مرادهم أن أحدا لا يعلم الحق تعالى إلا بواسطة العلم ، فالواسطة هي التي علمت الحق ، لا أنت فما علم الحق تعالى حقيقة إلا علمك ، وعلمك دائما حاجب لك عن معرفة كنه الحق تعالى ، ولو رقيت في العلم ما رقيت فلا يصحّ وقوف تجلّى الحق لك حتى تدركه ، لأن كل تجلّ يقع كلمحة بارق لا يثبت ءانين أبدا ، ومن هنا امتنع للخلق تكييف الحقّ ، فعلم أنه ليس مشهود كل أحد من الحق إلا علمه ، فإيّاك إن جريت على أسلوب الحقائق أن تقول إنك علمت العلوم لأنك ما علمت إلا بالعلم ، والعلم هو العالم بالمعلوم ، الذي هو الحق ، وبين العلم والمعلوم بحور لا يدرك أحد قعرها ، فإن سر التعليق بينهم مع تباين الحقائق بحر مركبه عسير ، بل لا تركبه العبارة أصلا ولا الإشارة ، ولكن يدركه الكشف من خلف حجب كثيرة ، ولا يحسّ بها أنها على عين بصيرته إلا الأنبياء وكمّل ورثتهم من الأولياء ؛ لدقّتها وغموضها ، وإذا كانت عسرة المدارك فأحرى من خلقها ا ه ( ص 62 ، 63 ) . ( 2 ) في ( أ ) : الفكر .
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 124 | عبد الوهاب الشعراني / أحمد فريد المزيدي / جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار