وما للعبد سؤال إلا في إزالة هذه القسمة ؛ حتى يعود الأمر الظاهر كما كان .
فأجابه الحق إلى سؤاله بقوله : « ولعبدي ما سأل » ، فقال :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
( هود : 123 ) ، فعلم أن الخط الذي قسم الدائرة ليس إلا عين تميز العبد عنه ، وتميزه عن عبده من الوجه الذي كان به إلها ، وكان العبد به عبدا ، فلما تعين التمييز ووقع الاتصال بالتكوين . وأظهر الخط حكمه ووصفنا بالحجاب عنه تعالى ووصف نفسه بالنزول إلينا ، علمنا أنه يريد رجوع الأمر إلى ما كان عليه . ثم بعد علمنا بما قد علمنا وتحققنا بما به تحققنا ، قال عن نفسه إنه سمعنا الذي نسمع به وبصرنا الذي نبصر به وذكر لنا جميع القوى التي نجدها من نفوسنا ، وأثبت في هذا الوصل أعياننا « 1 » ، فلا يشبه ما رجع الأمر إليه ما كان عليه قبل الفصل ، لأن الذي أثبته الخط من الحكم ما يزول . وإن زال الخط فأثره باق ؛ لأنا قد علمنا أن الدائرة قابلة للقسمة بلا شكّ ، ولم نكن نعلم ذلك ، فإذا اتصلت الدائرة فلا يزول العلم منّا أنها ذات قسمين من أي حيّز فرضته فيها .
وذلك لما ورد في الأخبار الإلهية من اتصاف الحق بصفات الخلق واتصاف الخلق بصفات الحق « 2 » ، ومع كل هذا القرب الذي فرضناه فالجهل من لازم الخلق أجمعين . فإن الحق تعالى إذا كان قد حبس عن عباده الذين اصطفاهم أن يعرفوه حق معرفته فكيف بغيرهم ، ممن لو قيل له : كيف تدبر نفسك التي في بدنك وهل هي داخلة فيه أو خارجة عنه أو لا داخلة ولا خارجة وهل الزائد الذي يتحرّك به هذا الجسم الحيواني ويسمع ويبصر ويتخيل ويتفكر لماذا يرجع ؟ هل لواحد أو لكثيرين
هامش
( 1 ) أي أثبت كوننا عبادا له .
( 2 ) المراد بالاتصاف في الموضعين التخلق بجنس الصفات لا بعينها مع الأخذ بتأويل المتشابه بما يوافق التنزيه للحق تعالى عن المماثلة .