ويعجزوا ، وهؤلاء ارتفعوا عن الأكوان ، وما بقي لهم شهود إلا فيه ، فهو مشهودهم ، فكانت حيرتهم باختلاف التجليات أشد من حيرة النظّار في معارضات الدلالات ، وفي الحقيقة ما في الوجود إلا اللّه « 1 » .
هامش
( 1 ) قلت : وهذا القول لا يفيد أن كل ما يراه البصر هو اللّه تعالى في نفس الأمر ، كما يتوهمه الجهلة مما يدعي العلم ونصرة السنة ، وهو منها أبعد ما يكون ، ويتعرض بفهمه السقيم على السادة الأولياء ، ودليل ذلك قول المصنّف في « قواعده الكشفية » : جواب من توهّم أن كل ما يراه البصر هو اللّه في نفس الأمر ، ومما أجبت به من يدعي أنه من أهل الوحدة المطلقة زاعمين أن ذلك من جملة تنزيه الحق عن التحيّز والجهة ، والجواب : أن هذا مذهب مخالف لأهل الملل والنّحل ، فضلا عمّا أجمع عليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والمؤمنون ، وقد أجمع أهل الكشف على أن الوجود لا يعقل إلا بوجود عبد وربّ أزلا وأبدا ، فإن العالم كله لا يزل في علم الحق جلّ وعلا على اختلاف تطوراته ممكنا اه .
وأطال في ذلك ، ثم قال في جواب من توهّم في الحق سبحانه حلولا واتحادا : اعلم يا أخي أن اللّه تعالى واحد لا شريك له ، ومقام الواحد متعال أن يحلّ فيه شيء ، أو يحلّ هو في شيء ، أو يتحد بشيء ، ولما أحدث اللّه العالم لم يحدث بابتداعه في ذاته حادث ؛ إذ هو ليس محلا للحوادث ، ولا يحلّها ، ويقال لمن قال : ( أنا اللّه ) إن كنت صادقا فادفع الموت أو شيئا من الآفات أو أطلق ذلك إذا حبس أو أطلع لنا النيل أو أنزل المطر مستقلا بلا سؤال لربك ؛ فإنه تندحض حجّته ، ويعرف أن جميع ما فهمه طول عمره من كلام العارفين فهم سقيم .
وقد صرّح الشيخ محيي الدين بن عربي بمنع الحلول والاتحاد في نحو مائة موضع من الفتوحات ، فقال في الباب الثالث من الفتوحات : ( اعلم أنه ليس في أحد من اللّه شيء ، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه ) .
وقال في باب الأسرار : ( لا يجوز لعارف ولو بلغ أقصى مراتب التقريب من أن يقول ( أنا اللّه ) بل حاشا العارف من هذا القول حاشاه ، بل الواجب عليه أن يقول : أنا العبد الذليل السير والمقيل . وقال في الباب التاسع والستين ومائة : القديم لا يصحّ أن يكون محلا للحوادث ، ولا أن يكون حالا في المحدث ، وإنما الوجود الحادث ، والقديم مربوط بعضه ببعض ربط إضافة -