وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
( الإسراء : 72 ) ، أعني جاهلا بالذات ،
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
، كما هو في الدنيا .
ولذلك كان العارف المحقق عمرو بن عثمان المكي « 1 » يقول في صفة العارفين :
وكما هم اليوم يكونون غدا ، فعلم أن من طلب معرفة الذات من طريق الفكر والنظر كان مآله إلى الحيرة ، كما أن من طلب الواحد في عينه لم يحصل إلا على الحيرة ، فإنه لا يقدر على الانفكاك من الجمع والكثرة في الطالب والمطلوب ، وكيف يقدر على ذلك ، وهو يحكم على نفسه بأنه طالب ، وعلى نفسه بأنه مطلوب ، ومقام الواحد يتعالى أن يحلّ في شيء ، أو يحلّ فيه شيء ؛ لأن الحقائق لا تتغير عن ذاتها ؛ إذ لو تغيرت لتغير الواحد في نفسه ، وتغيير الحق في نفسه وتغيير الحقائق محال .
واعلم أن حيرة أهل الكشف والشهود أعظم من حيرة أصحاب النظر في الأدلة ؛ لاختلاف الصورة عليهم عند الشهود « 2 » .
فإن أصحاب النظر والفكر ما برحوا بأفكارهم في الأكوان ، فلهم أن يحاروا
هامش
( 1 ) هو الولي العارف ، من أئمة القوم الأماجد ، له القبول التام بين الخاص والعام ، بحيث أقبلت عليه جميع الخلق من جميع الأقطار كبيرها وصغيرها ، أميرها ومأمورها ، صحب الخراز وغيره .
مات ببغداد سنة إحدى وتسعين ومائتين أو غير ذلك ، وانظر : حلية الأولياء ( 10 / 291 ، 296 ) ، وصفة الصفوة ( 2 / 248 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 104 ) ، وتاريخ بغداد ( 12 / 223 ، 225 ) ، والرسالة القشيرية ( ص 28 ) ، وطبقات السلمي ( ص 200 ، 205 ) .
( 2 ) قال الشيخ الأكبر في الباب الثاني والسبعين وثلاثمائة بعد كلام طويل : فالقلوب به هائمة ، والعقول فيه حائرة ، يريد العارفون أن يفصلوه عن العالم من جميع الوجوه مبالغة في التنزيه فلا يقدرون ، ويريدون أن يجعلوه من شدة القرب عين العالم فلا يتحقق ذلك لهم ، فهم متحيّرون ممسكون ، وأما غيرهم فتارة يقولون : هو ، وتارة يقولون : هو ما هو ، فتحيّروا في ذاته كما تحيّروا في صفاته اه .