تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
اليقطين لما وضعت خدها على الأرض ولو حملت مهما حملت لا تحس بثقله تذكرة لأولي الأبصار . وكان كثيرا ما يقول : من لم يكن له خدّ يداس لم يصر له كف يباس . لكن هنا ينبغي نكتة التفطّن لها وهو محل تلمذتنا لمن تمشيخ علينا ما لم يورثه ذلك عجبا وكبرا ، فان علمنا ذلك ولو بالقرائن امتنعنا من تعظيمه وتقبيل رجله رحمة به لا كبرا عليه ، واللّه تعالى أعلم . ومن شأنه ان لا يزاحم على إمامه في الزاوية أو غيرها لما في ذلك من تحمل بسهو المأمومين مع ضعف حاله ، بل هيهات ان يقدر على تحمل سهو نفسه وغفلته عن ربه . وأيضا فربما جره ذلك إلى استحكام محبة الرئاسة فلا يفلح على يد شيخ بعد ذلك ، وعلامة محبته للرئاسة تكدره إذا انعزل منها وعلامة اخلاصه انه ينشرح إذا عزل . وقد بلغنا ان الشيخ جلال السيوطي رحمه اللّه كان يصلي العصر في المدرسة البيرسية وحده لعذر فجاء انسان وصلى خلفه فلما سلم قال له : يا أخي ، لا تعد تصلي خلفي ، فاني عاجز عن تحمل نقص صلاتي نفسي فكيف أقدر على تحمل صلاتك ، وهذا من قاعدة : السلامة مقدمة على الغنيمة ، ولكل رجال مشهد ، فإياك والاعتراض عليه فإنه كان رجلا اعلم منك بيقين ، بل كان مجتهدا مطلقا ومنتسبا لأبي يوسف والمزني وابن القاسم كما رأيت ذلك بخطه رضي اللّه عنه ، فان المجتهد المطلق قسمين منتسب وغير منتسب ، فالمنتسب هو من بلغ حد الترجيح في أقوال مذهب امامه ولم يخرج عن قواعده ، وغير المنتسب هو من أنشأ مذهبا مستقلا لم يسبقه اليه أحد واللّه أعلم . ومن آداب الفقير ان لا يكون مقداما لاخوانه في سوء أدب مع الشيخ ابدا ، كأن يخرج من تحت يد شيخه وتربيته ويتزوج بغير اذنه ويطلب الدنيا بالوظائف والحرف ويصير يوسع على نفسه ويأكل الشهوات ويمنع اخوانه من ذلك ، حتى لو قال له الشيخ أنفق على إخوانك نصفا واحدا لا يجيب . وفي ذلك إساءة أدب مع الشيخ ومع اخوانه لان جميع من في الزاوية يصير يحتج بفعله ويقول إن الشيخ كان رجلا يقول لفلان اخرج عما بيدك ، وبذلك يتلف ضعفاء المريدين . ثم من أقبح ما يقع فيه الفقير استهانته بغضب شيخه عليه لأنه عنوان على غضب الحق جل وعلا عليه ومن استهان بذلك لعنه اللّه تعالى . ومن علامة استحكام المقت فيه ان يصير يدعى إلى مكان علية من الأدب مع الشيخ قبل ان تبدل وتغير فلا يجيب ويثقل عليه حضور مجالس الذكر والأوراد ويجعل بدلها نوما أو كلام لغو على باب المسجد وغير ذلك ، ويحصل له قبض لما يقال له اسهر الليلة مع شيخك أو وحدك ، ولا يكاد يخف عليه شيء من ذلك ، وربما دعاه شخص من أبناء الدنيا إلى السهر معه في طبخ طعام عرس ونحوه فيسهر معه طول الليل ولا يجد في نفسه ثقلا من ذلك ، وان كلمه
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 99 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى