والقرآن ، بل ينظر أولا في تحصيل أمور المعاش التي يورث قلبه الالتفات إليها ، ثم بعد ذلك يذكر ويقرأ . وليتأمل من لا يخدم الفقراء لو أنهم كلهم قالوا : شيء لا يلزمنا القيام به ، كيف يصير كل واحد منهم يجري على اللقمة ويقدمها على سائر مهماته في الدين ، فمن لم يخدم فلا أقل من شكر من يخدمه والاعتراف بفضله ، فليسمع المريد للشيخ أو النقيب إذا قال له انقل الحطب ، أو احمل قفة القمح إلى الطاحون ، أو إيت بها ، أو احمل طبق الخبز إلى الفرن ، أو اجمع الوقيد للفرن ، ونحو ذلك ، فإنه لا بد لأهل الزاوية ممن يقوم لهم بذلك ، إما بأنفسهم وإما بغيرهم . فاعلم أنه ينبغي للشيخ اخراج كل من أبى الخدمة لأنه يتلف بقية الجماعة ويفتح عليهم باب تعسير الوصول إلى ارزاقهم ، فان اللّه تعالى ليسهل على العبد طريق رزقه بحسب ما العبد عليه من خدمة اللّه تعالى وخدمة عباده .
ولا ينبغي لمن له مروءة من المجاورين أن يكون عيلة على غيره ، أو يعيش في جماعة العجائز والأرامل والعميان الذين في الزاوية . وقد كسل عندي جماعة عن الخدمة لأنفسهم ولاخوانهم فعسر اللّه تعالى عليهم أسباب أرزاقهم . وكذلك وقع لجماعة من فقراء الزوايا فذهب من وقفهم نحو الثلث للظلمة ، ففتشناهم فوجدنا ثلثهم ترك الاشتغال بالعلم والقرآن وصاروا طول نهارهم جالسين على حوانيت التجار والسوقة أو جالسين في الزاوية بطالين لا دنيا يحصلونها ولا آخرة .
وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : ان اللّه تعالى ييسّر الرزق لمن خدمه خالصا مخلصا وخدم اخوانه كذلك . وسمعته يقول أيضا : لا يسهل اللّه تعالى على أحد رزقه ويوسعه عليه أبدا ما عاش إلا إذا كان يتعطّف على اخوانه بكل ما زاد عن حاجته . وكذلك القوم لا ييسّر اللّه تعالى عليهم أرزاقهم ويوسعها عليهم إلا إذا تعاطف بعضهم على بعض بكل شيء زاد عن حاجتهم ، وبالجملة فمن كان قائما في مصالح الخلق كان الوجود كله يمده ويساعده ، ومن اشتغل لمصالح نفسه فقط دون إخوانه تخلف الوجود عن مساعدته وربما صار يقاسي في تحصيل رزقه وجده أشد التعب ، ومن شك فليجرب .
كما أن الشيخ إذا خصص نفسه عن الفقراء ولم يؤثرهم على نفسه بشيء ، أو لم يشركهم فيما بيده من الطعام وغيره ، يتوقف عليه رزقه كذلك ، والمريد الصادق ينظر في صفات شيخه التي هو عليها ان طلب ان يكون مثله في سعة الرزق أو غيره . وقد حول اللّه تعالى عن جماعة من الفقراء الرزق لما شحوا على الفقراء بما يدخل في يدهم وتخصصوا به وصاروا يسألون الناس بالحال والقال ، وكأن لسان حال جناب الحق تعالى يقول لملائكته انظروا في حال عبادي فكل من رأيتموه يؤثر الناس على نفسه بطعامه وثيابه وجميع ما يدخل يده فزيدوه من
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 102
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٠٢