تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
والقرآن ، بل ينظر أولا في تحصيل أمور المعاش التي يورث قلبه الالتفات إليها ، ثم بعد ذلك يذكر ويقرأ . وليتأمل من لا يخدم الفقراء لو أنهم كلهم قالوا : شيء لا يلزمنا القيام به ، كيف يصير كل واحد منهم يجري على اللقمة ويقدمها على سائر مهماته في الدين ، فمن لم يخدم فلا أقل من شكر من يخدمه والاعتراف بفضله ، فليسمع المريد للشيخ أو النقيب إذا قال له انقل الحطب ، أو احمل قفة القمح إلى الطاحون ، أو إيت بها ، أو احمل طبق الخبز إلى الفرن ، أو اجمع الوقيد للفرن ، ونحو ذلك ، فإنه لا بد لأهل الزاوية ممن يقوم لهم بذلك ، إما بأنفسهم وإما بغيرهم . فاعلم أنه ينبغي للشيخ اخراج كل من أبى الخدمة لأنه يتلف بقية الجماعة ويفتح عليهم باب تعسير الوصول إلى ارزاقهم ، فان اللّه تعالى ليسهل على العبد طريق رزقه بحسب ما العبد عليه من خدمة اللّه تعالى وخدمة عباده . ولا ينبغي لمن له مروءة من المجاورين أن يكون عيلة على غيره ، أو يعيش في جماعة العجائز والأرامل والعميان الذين في الزاوية . وقد كسل عندي جماعة عن الخدمة لأنفسهم ولاخوانهم فعسر اللّه تعالى عليهم أسباب أرزاقهم . وكذلك وقع لجماعة من فقراء الزوايا فذهب من وقفهم نحو الثلث للظلمة ، ففتشناهم فوجدنا ثلثهم ترك الاشتغال بالعلم والقرآن وصاروا طول نهارهم جالسين على حوانيت التجار والسوقة أو جالسين في الزاوية بطالين لا دنيا يحصلونها ولا آخرة . وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : ان اللّه تعالى ييسّر الرزق لمن خدمه خالصا مخلصا وخدم اخوانه كذلك . وسمعته يقول أيضا : لا يسهل اللّه تعالى على أحد رزقه ويوسعه عليه أبدا ما عاش إلا إذا كان يتعطّف على اخوانه بكل ما زاد عن حاجته . وكذلك القوم لا ييسّر اللّه تعالى عليهم أرزاقهم ويوسعها عليهم إلا إذا تعاطف بعضهم على بعض بكل شيء زاد عن حاجتهم ، وبالجملة فمن كان قائما في مصالح الخلق كان الوجود كله يمده ويساعده ، ومن اشتغل لمصالح نفسه فقط دون إخوانه تخلف الوجود عن مساعدته وربما صار يقاسي في تحصيل رزقه وجده أشد التعب ، ومن شك فليجرب . كما أن الشيخ إذا خصص نفسه عن الفقراء ولم يؤثرهم على نفسه بشيء ، أو لم يشركهم فيما بيده من الطعام وغيره ، يتوقف عليه رزقه كذلك ، والمريد الصادق ينظر في صفات شيخه التي هو عليها ان طلب ان يكون مثله في سعة الرزق أو غيره . وقد حول اللّه تعالى عن جماعة من الفقراء الرزق لما شحوا على الفقراء بما يدخل في يدهم وتخصصوا به وصاروا يسألون الناس بالحال والقال ، وكأن لسان حال جناب الحق تعالى يقول لملائكته انظروا في حال عبادي فكل من رأيتموه يؤثر الناس على نفسه بطعامه وثيابه وجميع ما يدخل يده فزيدوه من