انسان في ذلك يقيم لنفسه الحجج الواهية ، ومثل هذا لا ينبغي للشيخ ان يقيم عليه ميزانا بل يجعله كالأجانب ولا يقول في نفسه ان هذا كان مريدا لي فلا أتركه من المناقشة ، فربما فجر على الشيخ وصار يقطع في عرضه في المجالس ، كما وقع ذلك لبعضهم ، فليتنبه الشيخ لزمانه ويلحق بلا حق اللاحق ، فإنه في النصف الثاني من القرن العاشر صاحب العجائب والغرائب .
وليكن على علم سيدي الشيخ انه ما خالف مريد شيخه وخرج من تحت تربيته إلا استحوذ عليه الشيطان وصار يركبه كما يركب الحمار ويصير هو الناطق فيه عنه ، وربما كان الشيخ يجهل مثل ذلك فيصير يتعجب من قلة حيائه وقبح عبارته ، ويعتقد ان ذلك من كلام مريده ، والحال انه من كلام إبليس .
وقد وقع لي ان مريدا خرج من تحت تربيتي فغضب من نصحي مرة فكشفت رأسي وغالطته واستغفرت في حقه كما أفعل مع الأجانب الذين ليس بيني وبينهم صحبة ، ورأيت ذلك أهون من مقاطعته وأقل إنما له وللاخوان فإنهم ربما استغابوه ووقعوا في عرضه لما خرج من طريقهم وغيّر وبدّل . ثم الذي ينبغي للشيخ مسارقة مثل هذا بالنصح من طريقة بعيدة ومدحه في بعض الأوقات وقوله انك قد وحشتنا كثيرا ويأمر اخوانه بذلك ، فربما خمدت ناره وحن إلى اخوانه . ومن ترك مثل هذه السياسة كان كمن غضب في البرية على غنمه حين شردت عنه وراح إلى البلد وتركها للذئب يفترسها واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يكون سداه ولحمته مسامحته لاخوانه في كل شيء أذوه به من قول أو فعل أو سوء ظن ، لا سيما اخوانه المقيمن في الزاوية من البطالين ، فان إبليس ما له شغل إلا اشتغال مثل هؤلاء ببعضهم بعضا ، إذ ليس معهم نور يحرق إبليس ، ولم تزل الأشياخ تبتلى بإقامة جماعة من المخابيل عندهم فيصبر الشيخ عليهم ويحذر اخوانهم من سلوك طريقهم لئلا يتلفونهم بمشاهدة أحوالهم الناقصة .
وقد كان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : يجب على المريد البطال ان يفرح بتحذير شيخه الناس من مجالسته لئلا يلحقه إثم من تبعه في الكسل ومتى تكرر مثل ذلك فقد نقض عهد شيخه .
وكان سيدي احمد الزاهد يقول : ما صبر مريد على الكلام في عرضه واشتغل باللّه ورضي بعلمه تعالى إلا جعله اللّه تعالى إماما يقتدى به عن قرب ، وما تعلق مريد من كلام قيل فيه إلا صار وراء الناس .
وكان سيدي محمد الغمري رحمه اللّه يقول : من أراد ان يكون إماما يقتدى به فليخلص
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 100
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٠٠