تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
طريق الفقراء بالاجماع . قال المحققون : وكلامنا في الحلال اما ما فيه شبهة فلا يمسكه بحال . وكان الشيخ أبو القاسم الجنيد يقول : ليس لفقير ان يمسك من الدنيا شيئا الا ان ينوي انفاقه على الحج مثلا فيؤخر لأجله لكن بإشارة شيخه . وقالوا : الفقير ابن وقته لا نظر له إلى ماض ولا مستقبل والواجب عليه العمل على تنظيف باطنه من سائر ما يكرهه اللّه تعالى ، وهو كل شيء تميل اليه النفوس من الشهوات التي نهى اللّه تعالى أصفياءه عنها . وهذا شأنه ما دام سالكا في الطريق . فإذا كمل حاله وبلغ مبلغ الرجال فهناك يعرف ما يأتي وما يذر ، فان ترك الدنيا كان ذلك بحق وان اخذها كان ذلك بحق لأنه خرج عن شبح الطبيعة وصارت الدنيا في يده لا في قلبه فيتصرف فيها تصرف حكيم عليم غير بخيل على أحد بها ، الا ان منعه الشرع من اعطائه ، كأن كان ذلك يشغله عن اللّه أو يفعل به معصية . ثم إذا خرجت الدنيا من قلبه فله تقديم نفسه وإيثارها على غيره إذا كان أحوج عملا بالعدل في ذلك فان نفسه أقرب المحتاجين اليه . وقد أجمعوا على أن المريد متى ترخص في ادخار الدنيا من ورائهم أو طعام أو ثياب تربى في باطنه البخل والشح والحرص ضرورة ، فيحتاج بعد ذلك إلى علاج شديد ، وهيهات ان يزول بعد ذلك . ومن شك فليجرب . ولم يتخذ اللّه تعالى قط وليا بخيلا . وان كان الولي يمنع في بعض الأوقات لحكمة فلا يخرجه ذلك عن الكرم لأنه في ذلك متخلق بأخلاق اللّه تعالى ، فان من أسمائه المانع ، أي لحكمة لا بخل ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد كنت في صغري أرمي كل شيء يأتيني من الدنيا هوانا بها مع اني كنت محتاجا إلى درهم منها ، وانما كنت افعل ذلك لأتعود الكرم وهوانا بالدنيا في عيون المحبين لها ومجاهدة لنفسي ، فرأيت اني خرجت عن محبتها بالكلية فنمت فرأيت القيامة قد قامت ونصب الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف كما ورد ، وهو منصوب إلى جهة العلو كالحبل المتدلي من سقف وأكثر الناس يصعدون عليه فيزلقون ويقعون في النار . فأردت صعوده فلم أقدر فقال لي افتح كفك اليسار ففتحته فأخرج من بين أصابعي شيء مقدار السفاية فقال هذا الذي منعك ، فأردت الصعود فاستيقظت قبل الصعود ، فكان ذلك من اللّه تعالى تنبيها على عدم حبسي الدنيا فالحمد للّه رب العالمين . ومن شأنه ان يكون عنده شفقة على دين اخوانه أكثر من شفقته عليهم في امر دنياهم ، فينبههم في أوقات المراسم وتفرقة المواهب الإلهية كالأسحار والأوقات الفاصلة ، ويكون ذلك بسياسة ولين لفظ وسيادة ، لا بغلظة واحتقار ، فربما تحركت نفوسهم فلا يسمعون له . وكذلك ينبههم قبل الوقت ليدخل وقت الصلاة وهم على أهبة فلا يخافون فوت الاحرام مع الإمام أو فوت السنة الراتبة قبل الفريضة ، كما عليه طائفة المتوسوسين ويقولون الوقت متسع ، وكثيرا ما يفوت أحدهم صلاة الجماعة كلها . وكان بعض السلف إذا فاتته صلاة جماعة يعيدها وحده سبعا وعشرين مرة مجاهدة لنفسه وان كان جمهور العلماء على المنع من ذلك . ومن السلف
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 97 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى