الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي كان يعيدها خمسا وعشرين مرة إذا فاتته الجماعة . وقد رأيت مرة شخصا من طلبة العلم بالجامع الأزهر جالسا يطالع في علم المنطق وصلاة الجماعة في العصر قائمة ، فقلت : ألا تصلي ؟ فقال : الوقت متسع ، فقلت له : صحيح ولكن هل تقدر تجمع لك في صلاتك مثل هذه الجماعة ؟ فقال : لا ، فقلت له : فقم فصل ولا تغش نفسك .
وينبغي لمن بات قائما يصلي من أول الليل إلى آخره ان لا يرى نفسه على أحد من اخوانه الذين ينبههم وقت السحر ، بل يرى نومهم اخلص من عبادته هو . فان القلم مرفوع عن النائم دون القائم ، فربما كتب القلم فلان قام طول ليله رياء وسمعة ، وكان يجد في قلبه حلاوة إذا اطلع عليه الناس في ظلمات الليالي وهو قائم بين يدي اللّه عز وجل لا يستحي من مراعاة عبيده بين يديه ، ومثل هذا إلى الاثم أقرب . فعلم أن كل من قام ورأى نفسه أفضل من النائمين على غير وجه الشكر للّه تعالى استحق اللعن والطرد ، فان ذلك هو ذنب إبليس الذي طرد به من حضرة اللّه عز وجل ، فافهم .
وأجمع الأشياخ كلهم على أنه يجب على العبد ان يرى نفسه دون كل جليس من المسلمين ، ومن لم ير نفسه كذلك كان من المتكبرين ، والمتكبرون في جهنم . فان رأى نفسه خيرا من جميع اقرانه كان في النار تحت الكل ، وان ادخل الجنة كان في الجنة تحت الكل ، عكس من رأى نفسه دونهم .
وكان سيدي عبد العزيز الديريني رضي اللّه عنه يقول : من أراد ان يصير الوجود كله يمده بالخير فليجعل نفسه تحت الخلق كلهم في الدرجة لأن المدد الذي مع الخلق كالماء ، والماء لا يجري إلا في المواضع المنخفضة دون العالية أو المساوية . فمن رأى نفسه مساوية لجليسه فمدده واقف لا يجري اليه ، أو أعلى منه فلا يصعد اليه ذرة من مدده ، وقد أوضحنا ذلك أول كتاب العهود فراجعه .
ومن وصية سيدي أحمد بن الرفاعي لأصحابه وهو محتضر : من تمشيخ عليكم فتتلمذوا له فان مدّ لكم يده لتقبلوها فقبلوا رجله وكونوا آخر شعرة في الذنب ، فان الضربة أول ما تقع بالرأس انتهى .
فلو لا ان هذه الخصلة جامعة لكل خير ما ختم سيدنا احمد تربيته لأصحابه بها .
وقال يعقوب الخادم يوما : يا سيدي أوصني ، فقال : كن خادما لاخوانك ، مؤثرا لهم على نفسك ، محتملا أذاهم بعد ذلك ، واحذر أن ترى نفسك أعلى منهم فتقع في حفرة ثم لا يساعدك منهم أحد . ثم قال : أي يعقوب ! انظر إلى نخلة البلح لما قامت بصدرها وتعالت على جيرانها كيف جعل ثقل حملها عليها ، ولو حملت ما حملت لا يساعدها أحد ، وانظر إلى شجرة
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 98
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٨