تعيروه أيضا فربما عافاه اللّه وابتلاكم .
وكان سيدي محمد الغمري رضي اللّه عنه يقول : إذا رأيتم الفقير يتتبع عورات الفقراء في الزاوية فهو من أهل السوء ، وكل شيء حملهم عليه فهو وصفه هو ، ويجب على الشيخ اخراجه ان لم يتب لئلا يتلف حال الفقراء ويخيلهم من بعضهم بعضا ، وان لم يخرج الا بالحكم الشرعي فاشتكوه له وأخرجوه وأقيموا عليه الوزن بالقسط ولا تسامحوه ، يخرب عليكم الزاوية عن قريب .
وكان يقول : ينبغي للنقيب ان لا يمكن الشباب العزاب ينامون في خلوة واحدة ابدا لان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فربما وسوس لأحد اللوث بهم وحملهم على محامل سيئة ليسوا من أهلها ، فيشغل قلوب الفقراء المتهومين والسامعين . ولا ينبغي لاحد من فقراء الزاوية وغيرهم ان يعترض على النقيب في منع العزاب من ذلك فيرجع اللوث عليه بسبب ذلك ، لان تفرقة أطفال المجاورين الذين يقرؤون القرآن هي من وظيفة النقيب لأنه لسان حال الشيخ . فإذا اعطى طفلا لفقيه يقريه ويربيه فليس لأحد الاعتراض عليه ، بل الواجب على كل أحد ان يفر من مواطن التهم ، فقد قال السيد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : من سلك مسالك التهم فلا يلومن من أساء به الظن . قالوا : وما للشيطان سلاح في خراب الزاوية واهلاك دين أهلها أعظم من تحريشه بينهم ووسوسته لهم بمخالفة اغراض بعضهم بعضا ، فيزين لكل واحد انه قائم بالحق ومن يعارضه على الباطل ، فلا يكاد كل من الفريقين يرجع عما اراده .
وكان سيدي محمد الغمري وكذلك سيدي مدين رضي اللّه عنهما إذا جاء زاوية أحدهما أمرد جيد الوجه لا يقبله ويقول : ان حكم من يمكن الأمرد الذي تميل اليه النفوس العفوية من الإقامة في زاويته حكم من يجعل على سطح داره قطع لحم ويطلب من الحدادي ان لا تنزل عليها انتهى .
فليتنبّه الفقراء المقيمون في الزاوية لمثل هذه الدسائس ولا يعترضوا على الشيخ ولا على النقيب إذا أخرج أحدا من المرد ومنعهم المجاورة ، فان ذلك من عين الصواب واللّه أعلم .
ومن شأنه ان ينفق على نفسه وعلى اخوانه كلما فتح اللّه تعالى به عليه من الحلال أولا فأولا ، ولو كانت فجلة أو خيارة ، ولا يعود نفسه الاختصاص بشيء عن اخوانه مطلقا ، فان من آثر نفسه على اخوانه في الشهوات لم يفلح ابدا ، وما صار الناس رؤساء في الطريق الا لكرمهم وإيثارهم وسلامة صدورهم من الحقد والحسد والضغائن . وقد أجمع الأشياخ على أن المريد متى أخر نصفا واحدا على اسم حوائجه المستقبلة مع حاجة أحد من اخوانه إلى ذلك خرج عن
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 96
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٦