إذا علمت ذلك فأقول وباللّه التوفيق : من أدبه مع اخوانه ان لا ينظر لهم ابدا إلى عورة ظهرت ، ولا إلى زلة سبقت ، إذ هو معرض للوقوع في مثلها . ثم إذا وقع فهو يحب من جميع اخوانه ان يرحموه ويعتذروا عنه ويقولوا ان إبليس هو الذي أوقعه بإرادة اللّه وانه أوقع من هو أعظم منه ونحو ذلك . فكذلك ينبغي له ان يعاملهم بإقامة العذر وعدم الازدراء . فكما كره منهم الشماتة فيه وعدم إقامة العذر له ، فكذلك الحال فيهم يكرهون من يشمت بهم ويعايرهم ، ولو قيل لهم اجعلوا الشامت فيكم كالمعتذر عنكم لا يسمعون ولا يقدرون فكذلك الحكم فيه .
وقد أجمعوا على أن كل فقير اطلع على شيء من عيوب الناس ولو من طريق كشفه فهو في حضرة الشيطان لا في حضرة اللّه تعالى ولا حضرة ملائكته .
وقالوا : كل كشف اطلع صاحبه على شيء من عيوب الناس فهو كشف شيطاني يجب عليه التوبة منه .
وقالوا : من نظر إلى عيوب الناس وحملهم على المحامل السيئة قل نفعه وخرب سره وعدم الانتفاع بصحبة شيخه ، فالواجب عليه ان لا يتعدى النظر إلى عورة نفسه ليسترها ، واما غيره فإذا أخبره وقدر على سترها فعل ، وان كانت تحتاج إلى علاج فليدله على الشيخ ، لان المريد ليس هو معدا لاصلاح غيره وانما هو مشغول باصلاح نفسه فقط ليخرج عن رعوناتها .
وفي حديث الطبراني مرفوعا : من تتبع عورات الناس تتبع اللّه تعالى عورته ، ومن تتبع اللّه عورته فضحه ولو في جوف رحله انتهى .
وكان الحسن البصري رضي اللّه عنه يقول : واللّه لقد أدركنا أقواما لا عيوب لهم فتجسّسوا على عيوب الناس فأحدث اللّه لهم عيوبا .
وسمعت سيدي عليّا المرصفي رحمه اللّه يقول : كل من لم يستر على إخوانه ما يراه فيهم من الهفوات فقد فتح على نفسه باب كشف عورته بقدر ما أظهر من هفواتهم .
وكان سيدي أحمد الزاهد رحمه اللّه يقول : إذا رأيتم أحدا من اخوانكم على معصية لم يتجاهر بها فاستروه ، فان تجاهر بها بينكم فوبخوه ، ولا تفشوا ذلك لمن لم يعلم به . فإن لم ينزجر فوبخوه بين الناس مصلحة له لا تشفيا للنفس فلعله يرعوي وينزجر . وما دام يعصي في قعر داره ويغلق بابه عليه فهو لم يتجاهر الا ان كان هناك أطفال يحكون ما يرون فإنهم كالرجال .
وكان الحسن البصري يقول : إذا بلغكم عن أحد زلة ولم تثبت عند حاكم فلا تعيّروه بذلك ، وكذّبوا من أشاعها عنه ان لم يثبت ذلك عند حاكم ، لا سيما ان كان هو ينكر ذلك - لان الأصل براءة الساحة حتى تقام البينة العادلة عند الحاكم . ثم بعد ثبوت ذلك عنه فإياكم ان
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 95
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٥