تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤

الباب الثالث في بيان نبذة من آداب المريد مع اخوانه

اعلم رحمك اللّه تعالى ان آداب الفقراء لا تنحصر لأنها مجموع ما في الكتب الإلهية والأحاديث النبوية والآثار الصحابية والآداب السلفية ، ولكن نجمع آداب الفقير مع اخوانه كلهم ان لا يعاملهم الا بما يحب ان يعاملوه به ، وان يرجو لهم من الخير والمسامحة في ذنوبهم ما يرجوه لنفسه ، وان يحملهم في جميع ما يقعون فيه من مواطن الفهم على أحسن المحامل مما يحب ان يحملوه عليه لو وقع هو في ذلك ، ويرجو لهم قبول التوبة ولو فعلوا من معاصي أهل الاسلام ما فعلوا كما يرجو ذلك لنفسه إذا وقع فيما وقعوا . فمن فعل بتفاصيل ما قلناه فقد وفي اخوانه حقوقهم ان شاء اللّه تعالى . ثم لا يخفى عليك يا أخي ان المريد لا يقدر على التخلق بجميع آداب اخوانه لأنه مشغول بحق اللّه تعالى عن حقوقهم ، فلا يقدر على الجمع بين حق اللّه تعالى وحق عباده ، وانما يؤمر ببعض اخلاق لا بد منها في طريق الخلطة والمجاورة مما هو كالواجب في طريق العشرة . ثم إذا انتهى سيره وبلغ مبلغ الرجال فهناك يطالب بالتخلق بأخلاق الكمال كلها . وايضاح ذلك ان الاخلاق المحمدية لا تخلع على أحد ان دخل حضرة اللّه تعالى الخاصة التي يدخلها السالك عند كمال سلوكه في العادة ، وتلك حضرة محرم دخولها على من بقيت فيه بقية من رعونات النفوس ، بدليل عدم صحة الوضوء والصلاة لمن ترك لمعة من أعضاء الطهارة لم يصبها الماء أو التراب . ثم إذا استقر في تلك الحضرة خلع عليه من الاخلاق المحمدية ما قسم له فيرجع متخلقا بها من غير كلفة عليه في ذلك ، وأمر ان يعطي كل ذي حق حقه على الكمال من والد وزوجة وولد وصاحب وجار ونحوهم . ولو اننا أمرنا في بدايته بذلك لما قدر على السير في الطريق لضعفه عن الجمع بين حق اللّه تعالى وحق عباده كما مر . ثم وتقدير انه كان يعمل بها فهي كالأشباح بلا أرواح لكثرة العلل والدسائس في اعمال المريد .