وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : ليس من أدب المريد ان يسأل شيخه عن حكمة ملازمته لمكان جلوسه فيه ، ولا ان يسأله إذا انتقل عنه لم انتقلت ، وليحذر ان يظن شيخه ان جلوسه في ذلك المكان أو انتقاله عنه بحكم العادة بغير نية صحيحة إذ الشيخ محفوظ عن أن يفعل شيئا من غير غرض شرعي . وكذلك ينبغي له ان يحذر من تأويل كلام شيخه عن ظاهره إذا أمره بل يبادر إلى فعل ذلك الأمر من غير تأويل ، كما وقع لبعض الصحابة حين قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يصلين أحدكم العصر الا في بني قريظة » وقد تقدم ذلك قريبا .
وكان سيدي يوسف العجمي رحمه اللّه يقول : من أدب المريد ان يقف عند كلام شيخه ولا يتأوله ، وليفعل ما أمره به شيخه وان ظهر ان شيخه أخطأ ، فقد قالوا إن على المريد اعتبار ما يخيّل انه خطأ من كلام شيخه أحسن من صوابه هو ، لخفاء مدرك كلام شيخه عليه وخروجه عن تلبسات النفوس ، وان قال إني تخيلت انك أردت كذا وكذا فهو في ادبار عن طريق الإرادة ، وما أتى على أكثر المريدين الخذلان إلا من التأويل فإنه حظ النفس ، ومن وافق حظ نفسه لا يفلح ، واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يصلي في موضع يستدبر فيه شيخه ما أمكن ان كان حاضرا الا ان عارضه في ذلك امر شرعي كأن يصلي في الصف الأول وشيخه في الصف الثاني فان ذلك لا يضر واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا ذكر اللّه أو فعل عبادة من العبادات ان يستحضر نظر شيخه اليه ليتأدب ويضم شتات قلبه ، وهذا واجب عليه ما دام تحت اذن شيخه ، فان أذن له شيخه في التربية والاستقلال بنفسه كان بعد ذلك حاله حال شيخه مع ربه ، كما سيأتي بسطه ان شاء اللّه تعالى أواخر الرسالة .
ومن شأنه ان لا يدعي انه من أهل القوم حتى يرى الخلق كلهم أحسن حالا منه ، لا سيما جماعة شيخ آخر ، فان كل من خرج من تحت تربية شيخ ورأى نفسه أعلى من أحد المسلمين فهو ممقوت ، لأن هذا هو الذنب الذي طرد لأجله . وهذا يخفى على كثير من المريدين والحمد للّه رب العالمين . خاتمة : ان قال لنا مريد فما صفات الشيخ الذي يجب علينا الأدب معه والانقياد لقوله والتقليد له في كل ما يأمرنا به ؟ فالجواب : صفته ان يكون متبحرا في علوم الشريعة بحيث لو اجتمع عليه مشايخ الاسلام من علماء المذاهب الأربعة وناظروه في جميع الفقه لأجابهم بنقول المذهب وقطعهم بالحجج الباهرة والاستدلال على كل ما لم تصرح الشريعة بحكمه ، ويقوم في تقرير مذاهب الأئمة الأربعة مقام أهلها . ثم بعد ذلك يكون متقيدا بالكتاب والسنة في أقواله وافعاله وعقائده عارفا بميزان الخواطر كلها من خاطر النفس أو
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 81
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٨١