تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يعتقد في شيخه انه أعلم بتربيته من غيره لا تنعقد صحبته معه ولا يصح سريان شيء من اسرار قلب الشيخ إليه ، فإن المريد كلما أيقن بتفرد الشيخ بالمشيخة في البلد كلما قويت محبته وتمكنت صحبته ، وحكم العكس بالعكس . وأجمعوا على أن كل مريد اشتغل بوقائعه وكشفه دون مراجعة شيخه فقليل انقطعت الوصلة بينه وبينه ، فان المريد وان فتح عليه بالعلوم والأحوال فباب علم الشيخ وأحواله أوسع وأكثر . وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : يجب على المريد ان يحكي جميع وقائعه لشيخه فما رآه الشيخ من اللّه تعالى أمضاه ووافقه عليه ، وما كان من غير اللّه امره بالاضراب عنه ، فان الواقعة إذا كان فيها شبهة فيرجو زوالها ببركة ذكرها للشيخ ، وييستفيد المريد علما بصحة الوقائع والكسوف كما تبرأ ساحته من جهة الأدب مع الشيخ ، وتبرأ ساحة الشيخ بتعليمه الأمور واخراجه من مواطن التلبيس ، وربما تحمل عنه الشيخ ذلك الامر الذي حل به لقلة غشه وكثرة شفقته وصحة ايوائه إلى جناب الحق تعالى . وسمعته رضي اللّه عنه أيضا يقول : يجب على المريد ان يذكر جميع وقائعه لشيخه لأنه اعلم بمقامه ومصالحه ومفاسده من نفسه ، ولأنه جرب الأمور ومارس الأحوال وركب الأهوال وبلغ مبلغ الرجال . وحكم المريد حكم من دخل في ظلمة ببرية قفر لم يسلكها قط ، فلا يعرف مواقع الخطر فيها ، ولا يميز بين النفع والضر ، وحكم من اتخذ له طبيبا عارفا بالداء والدواء فصار يصف له دواءه وهو يتناول الأمور المضرة له موافقة لهواه واللّه أعلم . ومن شأنه إذا سافر شيخه من مكانه وتركه فيه ان يلازم شهود مكان شيخه الذي كان يقعد فيه ويسلم على شيخه كلما مر على مكانه في وقت من الأوقات كأنه ما غاب عنه ، ويراعي حرمته في غيبته كمراعاته لها في حضوره ، وأجمعوا على أنه لا ينبغي للمريد ان يقول له دعني أنام عندك ، أو آكل معك ، أو أفارقك لعمل حرفة أو نحوها ، بل ينظر في ذلك كل ما يراه الشيخ له في ذلك ، وربما اجابه الشيخ إلى ذلك فحصل للمريد غباية الإبعاد ونفرت نفس شيخه منه بعد ذلك . وكذلك كلّ ما فيه داعية إلى الإدلال على الشيخ وترك للحرمة معه ثم لا يفلح المريد بعد ذلك أبدا ما دام هذا حاله . ومن شأنه إذا شاوره شيخه في فعل امر من الأمور ان يرد الامر في ذلك إلى الشيخ ، كما كان الصحابة يقولون كان صلى اللّه عليه وسلم أعلم من جميع أصحابه بأمور الدنيا والآخرة وانما كان يشاورهم تأليفا لقلوبهم وبيانا لمقامهم في الأدب معه أو في المعرفة لذلك الامر الذي استشارهم فيه ، وكذلك الحكم في الشيخ بحكم الإرث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ان مشورة الشيخ للمريد ليس هو لافتقار الشيخ إلى رأي المريد .