الدنيا كاملة متوفرة لا ينقص من رأس ماله شيء ، قال : وكان شيخنا رحمه اللّه يخبز خبزه على رأسه ويقضي جميع حوائجه بنفسه ولا يسأل أحدا من إخوانه شيئا من ذلك رضي اللّه عنه واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يعتقد أن شيخه عارف باللّه ناصح لخلق اللّه ، وأجمعوا على أن من شرط المريد الأمانة لأنه بصدد حمل الاسرار ، ولا توهب الأسرار إلا للأمناء ، فلا يجوز له افشاء سر من الاسرار إلا أن يأمره الشيخ أو الشرع إذاعته ، وربما غلب عليه الحال فأفشى سر الربوبية فوقع له كما وقع للحلاج في هذا الزمان الذي استتر فيه الأولياء الصادقون والعلماء العاملون وصار الفقير إذا وقع في ورد له لا يهتدي فالكتمان واجب على المريد حتما والسلام .
ومن شأنه ان لا يدخل على شيخه ولا يجلس بين يديه ابدا إلا على طهارة ظاهرة وباطنة مسلما مستسلما ، وهكذا درج جميع المريدين مع أشياخهم .
وقد كان الشيخ أبو مدين المغربي رضي اللّه عنه يقول : ما دخلت في ابتداء أمري على شيخي حتى أغتسل وأطهر ثوبي وعصاي وجميع ما علي وأطهر قلبي من جميع علومي ومعارفي الظنية ، ثم أدخل بعد ذلك فان قبلني وأقبل علي ، فذلك عنوان على سعادتي ، وان أعرض عني وتركني رأيت العيب مني والشؤم علي .
وأجمع القوم على أنه لا يجوز للمريد أن يعتقد في عاص الاصرار على معصيته ابدا ، فان هذه المصيبة يقع فيها أكثر المريدين فتوقفهم عن السير . وليتأمل المريد في قول علماء الشريعة ان الظالم إذا اخذ من أحد دراهم ثم توارى عنا بحائط مثلا انه يجوز لنا الأكل مما رأيناه في يده ولا يجوز لنا ظن استصحاب تلك الدراهم فيفتى بحرمة الانتفاع بها إلا على وجه التورع فقط احسانا للظن بذلك الظالم المسلم .
وأيضا فقد قالوا إن اللّه تعالى عبادا لا تضرهم المعصية أي لعدم اصرارهم عليها ، فلعل ذلك العاصي أو الظالم يكون منهم . وكل من لم يظن بنفسه السوء وان جميع الناس خير منه فلا يفلح في الطريق ولو أعطي من المعارف والكرامات ما أعطي .
وكذلك أجمعوا على أن كل مريد دخل على شيخ ليختبره فهو ممقوت جاهل ، فان الشيوخ لا يختبرون البتة ، ولا يطلب منهم كرامة ولا كلام على هواجس النفوس ، ومن طلب ذلك منهم فقد جهل وأساء الأدب معهم ، وربما استحكم فيه المقت فلا يفلح على يد شيخ بعد ذلك واللّه أعلم .
وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : لا يطلب من الأشياخ الكلام على
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 77
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٧٧