الأصول ، وان حكم الشيخ حكم الحدّاد ، وحكم غيره حكم الآلات ، فكما ان المطرقة والسندان والمنفخ والفحم والنار وغيرها من الآلات إذا جمعن من غير حداد لا يصح عمل ، كذلك آلات الطريق من الذكر والخلوة والمجاهدة إذا اجتمعت لا يفلح بها المريد ولا تنجلي مرآة قلبه ، فربط القلب بالشيخ هو الأصل في ذلك كله كما جربناه ، وما أتى على المريدين انقطاعهم عن الفيض والترقي الا من عدم ربط قلوبهم بالشيخ على وجه التسليم والاذعان والهمة الصادقة ، ومن أعظم شيء يقطع القلب عن الربط الاعتراض على الشيخ بالقلب .
قال الشيخ زين الدين الخوافي رحمه اللّه : وقد جرب جميع المريدين فوجدوا الاعتراض يقطع الفيض والامداد ، فكما يجب على المريد ان لا يعترض على نبيه صلى اللّه عليه وسلم كذلك يجب عليه ان لا يعترض على شيخه بل يوافقه في كل شيء يأمره به وينهاه عنه من الخير ، سواء أكرهته نفس المريد أم أحبته ، قال تعالى :
« وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
وما يأمركم شيخكم أيها المريدون إلا بما يأمركم به ربكم واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يعتقد أن كل ذرة من اعمال شيخه أفضل من جميع عبادته هو ألف سنة ، ومن هنا قال أبو سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من اخلاص المريدين ، ومعناه ان اخلاص المريد معلول برؤية انه يخلص بخلاف العارف فإنه منزه عن الرياء جملة وما رآه المريد من صورة رياء في حق شيخه انما هو صفته هو ، وكيف يصحّ من عارف رياء وهو يشهد كشفا ويقينا ان اللّه تعالى خالق له ولجميع افعاله ليس له من اعماله الا نسبة التكليف فقط .
وقد قال أحمد بن أبي الحواري مرة لشيخه أبي سليمان الداراني : اني لأجد لذة في معاملتي مع اللّه تعالى إذا كنت وحدي ، ولا أجد تلك اللذة إذا كنت بين الناس ، فقال له : انك إذا لضعيف ، ولو قويت لاستوى عندك نظر الخلق وعدم نظرهم . قلت : وايضاح ذلك قولهم ان رياء العارف أفضل من اخلاص المريد ، لأن العارف لا يرى من الخلق إلا وجه الحق فلو قدر أنه راءاهم فإنما ذلك عملا بحديث « أروا اللّه من أنفسكم خيرا » وعملا بآية :
( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ )
فهو رياء محمود لا مذموم ، فما وقع رياء من عارف للخلق ابدا ما دام كاملا . ويؤيد ما قلناه قول سهل بن عبد اللّه لي : منذ ثلاثين سنة أكلم اللّه والناس يظنون اني أكلمهم انتهى .
ومن شأنه ان لا يدبر عن محبة شيخه وخدمته إلا لضرورة يعذره شيخه بها ، فقد قالوا :
من ادبر عن شيخه لحظة واحدة بعد ان خدمه سبعين سنة مثلا كان ما فاته من تلك اللحظة أكثر مما ناله في السبعين سنة ، فيا خسارة من أدبر عن شيخه فان حكمه حكم من ادبر عن خدمة ربه ، وأكثر المريدين جاهلون بمثل ذلك ، ولذلك عدموا النفع فاعلم ذلك .