ومن هذا الذي قررناه حرم غالب نقباء الأشياخ وأولادهم ونساؤهم بركتهم لكثرة مشاهدتهم له وادلالهم عليه واللّه أعلم .
ومن شأنه انه إذا كان جالسا عند شيخ في وقت درس أو غيره وقام فمن الأدب ان لا يوليه ظهره حتى يبعد أو يتوارى عنه بجدار ونحوه ، وكل من لم يتأدب مع شيخه لا يشم من الأدب رائحة ، لان الشيخ هو الذي يدخل المريد من بابه إلى حضرة ربه عز وجل ، وليس له باب غيره ، ومن لم يكن له واسطة في أبواب الملوك لا يمكنه الدخول واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يلزم شيخه بالباطن الجواب عن مسألة سألها إياه ، أو حكاية حكاها له ، أو واقعة وقعت له بل يذكر حاجته ويسكت ، فان اجابه شيخه فذاك ، وإلا فليعرض بقلبه عن طلب الجواب لئلا يصير شيخه محكوما عليه بالزامه الجواب ، وهذه طريقة احرى بخلاف ما عليه طلبة العلم ، والفرق ان طالب العلم مقصوده الاطلاع على النقل ليصير يفتي به الناس ويدرس به ولو لم يذقه ، بخلاف الفقير فإنه لا يقنع بدون الذوق لذلك الامر في نفسه ، لان كل ما لا ذوق للعبد فيه يفارقه عند طلوع روحه بخلاف ما ذاقه فإنه يموت عليه ويبعث عليه .
وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : ما تجرأت قط على سؤال أحد من مشايخي في واقعة من الوقائع ، ولا هجرت قط على مكالمتي لأحد منهم ، انما كنت انتظر بداءته لي بالكلام بعد ان يظهر لي انه فارغ لمكالمتي مستعد لكلامي ، فحينئذ فالكلمة مع التبجيل والتعظيم كما أكلم أعظم ملوك الدنيا .
وقد روى الترمذي وغيره مرفوعا : ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه . فاعلم أن احترام الشيوخ توفيق وهداية والاخلال بذلك عقوق وخذلان واللّه أعلم .
ومن شأنه دوام ربط قلبه مع الشيخ والانقياد له ورؤية اعتقاده ان اللّه تعالى جعل جميع امداده لا يخرج إلا من باب شيخه ، وان شيخه هو المظهر الذي عينه اللّه تعالى للإفاضة عليه منه ، ولا يحصل له مدد وفيض الا بواسطته ، ولو كانت الدنيا كلها مملوءة من المشايخ ، وذلك ليقطع الالتفات إلى غيره لأنه ليس لذلك الغير عنده وديعة فافهم .
وكان الشيخ زين الدين الخوافي رحمه اللّه يقول : يجب على المريد ان يرى استمداده من شيخه الخاص هو بعينه استمداده من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وان استمداد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الحق تعالى ليتصل المريد بطريق أهل اللّه حقيقة ، سنة اللّه التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . قال : واعلموا ان ربط المريد قلبه بالشيخ أصل كبير في سرعة الفتح ، بل أصل
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 73
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٧٣