تصدقت عنه في الطريق وقلت اللهم استر عني عيب معلمي ، ويقول : من سلك ذلك مع شيخه نال بركته واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يستغنم صحبة شيخه إذا تعدى العمر الغالب وأشرف شيخه على معترك المنايا ، فان ذلك وقت الثمرة فيعطي الشيخ ثمرة جميع مجاهداته طول عمره أو آخره ويعطى جوامع الكلم في الطريق ، فيا سعادة من لازمه أواخر عمره وزاد في خدمته ، فإنه يمنحه ثمرة جميع مجاهداته بلا تعب ولا نصب ، فيساوي شيخه في مقام العلم ويصير لشيخه عليه حكم الإفاضة لا غير واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يكلف شيخه قط المشي اليه ليسلم عليه من سفر أو يعوده من مرض أو يعزيه في موت أحد ، بل يذهب هو إلى شيخه فيسلم عليه أو يعزيه ، ومتى تغير قلبه عن شيخه إذا لم يأته فقد أساء الأدب معه فيجب عليه تجديد العهد ، وقد وقع مثل ذلك لشخص من أكابر مريدي سيدي على المرصفي فطلب من الشيخ ان يأتي إلى بيته فيسلم عليه لما جاء من الحج فلم يتفق ذلك ، فهجر شيخه فانقطعت عنه الامداد إلى أن مات واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يجهد في أن يكون مع شيخه بالأدب باطنا كما هو معه ظاهرا فلا يتكلم قط في حق شيخه من قدامه بكلمة يستحي ان يواجهه بها . فان ذلك من أكبر خيانة يقع فيها المريد ، وذلك كأن يتحدث مع أحد من الناس ويقول يا ترى هل شيخي يجامع كل ليلة ، أو ترى هل كان شيخي يقع في المعاصي قبل دخوله مثل ما يقع لنا ، أم لا ، وهل كان يرائي وينافق ويحب الدنيا أم لا ، فان ذلك كله فضول ولا ثمرة له إلا فتح باب الاستهانة بمقام الشيخ لا غيره ، فيجب على المريد ان ينظر إلى شيخه بالتعظيم فلا يصور في ذهنه حالة نقص عند الشيخ أبدا ، لا في الماضي ولا في المستقبل ، لان الفقير ابن وقته .
وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : كيف يصح التعبير عن شيء من صفات القلوب وهي بيد اللّه تعالى يقلبها كيف يشاء ، فربما شرع الانسان يتكلم في تجريح أحد فينقلب من النقص إلى الكمال قبل ان ينقضي كلامه ، فيقع التجريح على حالة ماضية لا يصح وصفه بها الآن ، انتهى واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يجلس بين يدي شيخه إلا وهو مستوقن كما يجلس العبد بين يدي السلطان ، وليحذر كل الحذر من الاكثار من مجالسة الشيخ فان كثرة مجالسته تذهب هيبته عند غالب المريدين كما يذهب حرمة الكعبة لأهل مكة ولمن جاورها ، فأين بكاؤه عند رؤيتها من جمود عينيه أيام المجاورة ، والقاعدة ان كل شيء كثرت مشاهدته هان في العيون ، والشيخ هو كعبة المريد التي يتوجه إليها في سائر مهماته فافهم .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 72
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٧٢