خوفا عليه ان يسرق طبعه من طباعهم فيتلف ويتعب شيخه في معالجته . وليحذر المريد من اعتراضه على الشيخ في مجالسته لابناء الدنيا فان ذلك انما هو تأليف لهم ليصرفهم عن محبة الدنيا بالمسارقة شيئا فشيئا إذ المشايخ انما شغلهم بالأعوج ليقيموه ، واما المستقيم المنقاد فهم في راحة منه . فاعلم أن كل مريد جلس مع شيخه في مجلس أبناء الدنيا فقد أساء الأدب واللّه اعلم .
ومن شأنه ان لا يزور أحدا من أشياخ العصر الا باذن شيخه صريحا أو تعريضا ولو كان ذلك المزور من أكبر أصدقاء شيخه . فان من شرط المريد ان لا يكون له الا شيخ واحد كما تقدم تقريره في أوائل الباب . وإذا كان المريد لا يرى أن شيخه يكفيه عن غيره فقد اتخذه شيخا .
قالوا ولا يجوز الاعتراض على الشيوخ إذا منعوا مريدهم من الاجتماع بغيرهم وحملهم على حب الرئاسة على أقرانهم بل الواجب حملهم على أحسن المحامل ، وبأنهم ما قصدوا بمنع المريد من زيارة غيرهم الا خوفا عليه من تزلزل اعتقاده فيهم فلا يفلح على يد هذا ولا على يد هذا .
قال الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه : وكم فسد من الزيارة مريدون ثم فارقوا مشايخهم وصاروا عليهم وعلى جماعتهم ، ويقولون لمن سألهم عن سبب فراقهم لو رأينا منهم خيرا ما فارقناهم وما كل ما يعلم يقال ، وهناك يهلكون بالكلية لا سيما ان اجتمعوا بعد مفارقتهم لشيخهم على من ينكر عليه فإنه يزيدهم منه نفرة وتنقيصا ، ولكن إذا أراد الحق تعالى رد ذلك المريد إلى الخير وألهمه رشده جمعه على من يعتقد في شيخه فيحسن اعتقاده فيه حتى يندم على فراقه ويطلب الرجوع اليه ، ثم إذا رجع وجب على الشيخ قبوله إذا شهد له قلبه بالصدق ، والا فلا ينبغي له قبوله لئلا يتلف بقية الفقراء ، وبالجملة فلا يكمل أدب مريد مع شيخه الا بعد اشرافه على مقام الشيخ ومعرفته بكماله وإلا فمن لازمه الاخلال بحقه وذلك لأنه لا يشهد من الشيخ إلا مقامه هو فكل نقص رآه في الشيخ فإنما هو حال ذلك المريد وهو لا يشعر إذ الشيخ مرآته كما تقدم تقريره مرارا في هذا الباب . فلو قدر ان المريد كمل أدبه مع الشيخ لأوصله إلى حضرة ربه في لحظة واللّه تعالى أعلم .
ومن شأنه ان يعظم شيخه كل التعظيم ولا يطلب منه ان يأتي إلى منزله أو يأكل من طعامه ، وفي كلام الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : وهان عليك من احتاج إليك . وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ »
قال هي الاستغناء عن المدعوين فان الداعي إذا كان محتاجا إلى مال المريدين هان في عيون المدعوين فلا يؤثر كلامه فيهم عادة واللّه أعلم .