إذا أكثر من ترك الذكر برفع الصوت بحضرة الناس أصحاب الأنفس كالقاضي الجاهل بنفسه والمباشر حصل عنده خجل كأنه ارتكب معصية فمثل هؤلاء يجب عليهم الذكر برفع الصوت حتى يخرج عن الكبر واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يتخذ له حجابا بينه وبين أولاده وعياله كلما يذكر حتى لا يدخل أحد عليه منهم الا بإذنه فيشوش عليه ، وربما زعق الذاكر في وجه الداخل فيحصل له مرض أو خرس كما وقع لسيدي تاج الدين الذاكر مع جارته ؛ دخلت عليه وهو يذكر ففتح عينه وصاح فيها فتكسحت وصار يخدمها ويشيل القذر من تحتها حتى ماتت بعد سنين ، وكان يعتذر إليها ويقول ما وقع لك لم يكن بخاطري واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يرفع صوته في محل يتأذى أحد به ، من قارىء ومدرس ونحو ذلك ، كأن يجلس يذكر اللّه تعالى في مثل جامع الأزهر فان الجامع انما يجلس الناس فيه الآن لطلب العلم وتلاوة القرآن وذكر اللّه تعالى عقب الصلوات فقط ، وربما أنكر عليه أحد من المجاورين فمقت ، وربما قال له شخص لا تؤذينا بذكرك فيقع في سوء الأدب مع اللّه تعالى في منعه من أن يقول لا إله إلا اللّه ، وربما رفع صوته بحضرة أحد من المنكرين فاستهزأ قلبه بمخاصمته وانقطع عن اللّه عز وجل . وأثقل ما جاء على قلوب الغافلين ذكر رب العالمين فينبغي للذاكر ان يذكر اللّه تعالى في المساجد المهجورة فان في تلك عدة مصالح . ومن قال من المجادلين انا أحب ذكر اللّه وانما أتأذى برفع صوته امتحناه وقلنا له اجلس بنا نذكر اللّه تعالى ساعة بصوت خفي واترك درسك النحو مثلا ، فان استحلى ذلك كلما دعوته اليه فهو صادق في محبة سماع ذكر اللّه وإلا فلا يخفى حاله ، وأين هذا القول من قول سيدي عمر بن الفارض رضي اللّه عنه في كلمة لا إله الا اللّه :
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي * بها لسبيل العزم من لا له عزم
ويكرم من لا يعرف الجود كفه * ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت * لعادت اليه الروح وانتعش الجسم
ولو قربوا من حانها مقعدا مشى * وتنطق من نجوى مدامتها البكم
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة * ترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم
إلى آخر ما قال واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يجلس ابدا في مجلس شيخه الخاص بأبناء الدنيا فان المريد ليس له في ذلك منفعة ، بخلاف الشيخ فإنه مأمور بالاقبال على الناس كلهم قبول رحمة وشفقة ، وتعليم وتأديب . فلا ينبغي للمريد ان يتأثر من شيخه إذا زجره عن الجلوس مع هؤلاء لأنه إنما زجره