تعالى عليه بالهداية فسوف يرجع إلى شيخه ويلزم معه الأدب ، وان لم يكن فيه خير فقد استراح منه .
وأخبرني شيخي شيخ الاسلام زكريا رضي اللّه عنه قال : سافرت من جامع الأزهر إلى المحلة الكبرى فأخذت الطريق عن سيدي محمد الغمري رضي اللّه عنه ، وأقمت عنده أربعين يوما وقرأت كتاب قواعد الصوفية نحو أربعة كراريس وكنت ابحث معه على طريق الفقراء فقال لي : يا زكريا خذ كلام القوم بالتسليم فإنه لا يفتح في طريقهم إلا من سلم بهم فقلت سمعا وطاعة ، لم يشكل عليّ شيء من حين تركت مباحثته الا وبادر هو لإزالة الاشكال عني ومن ذات نفسه . وكنت إذا بحثت معه يتكدر مني أكابر الجماعة ويفرح بذلك أصاغرهم لأن الشيخ كان مجيبا وكانوا لا يتجرؤون على سؤاله ، وعلمت حينئذ ان طريق القوم كلها أدب ومطالبات بالحقائق بخلاف أهل النقول انتهى ، واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يعظم شيخه كأنها حضرة الصلاة فلا يجلس بين يدي شيخه قط بقميص واحد الا ان يكون متجردا من الدنيا ليس عنده غيره أو يكون في شدة حر مثلا . قالوا وينبغي للمريد ان يلبس لمجالسة شيخه أحسن ثيابه ويتوب إلى اللّه تعالى من كل ذنب كلما أراد أن يجالسه ، فان المتلطخ بالذنوب لا يصلح له دخول حضرة الشيخ وانما يصح له دخولها إذا تطهر ظاهرا وباطنا من كل ذنب . قالوا وإذا كان مكان الشيخ بعيدا وخرج لزيارته فليذهب اليه وحده ولا يدخل عليه . وكذلك لا ينبغي له إذا خرج لزيارة شيخه ان يشرك معه حاجة أخرى فان اشرك حاجة أخرى لقيه الشيخ بنصف البشاشة أو ثلاث حوائج لقيه بثلث البشاشة . وهكذا فان الشيخ لا يلقى المريد إلا بقدر ما جاءه به .
وقد دخلت مرة على سيدي علي الخواص ومعي شخص فقال لا تعد تأتي معك بأحد ، ثم قال لي في أذني : من غلبته شهوته فهو حمار ، وقد كنت عزمت على ترك أكل شيء من الشهوات ثم غلبتني نفسي فأكلته . وخرجت مرة لزيارة أخي أفضل الدين وكان في حارة الشيخ ، فلما زرته قلت أزور سيدي علي كذلك . فلما أقبلت عليه لقيني بنصف البشاشة التي كان يلقاني بها لما اخرج لزيارته وحده وقال لي حكم العدل مطلوب ففهمت المقصود ، ومن ذلك اليوم ما أشركت معه أحدا واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يتساهل ابدا في مد رجله تجاه شيخه لا حيا ولا ميتا لا ليلا ولا نهارا مراعاة للأدب مع شيخه غيبة وحضورا ، وما رسخ مريد في هذا الأدب مع شيخه إلا وترقى منه إلى مقام المراقبة للّه تعالى إذ الشيخ هو سلّم للترقي ومحل ادمان يدمن فيه المريد ، كأن الأشياخ يقولون للمريد : تعال أدمن فينا دون الحق تعالى حتى تذهب رعونات نفسك كلها ،
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 66
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٦